عاجل

البث المباشر

رشا التونسي

<p>رشا التونسي</p>

رشا التونسي

نماذج التعايُش مع الآخر‏..: وثيقة المدينة‏..‏ ودستور المواطَنَة

ما نشهده اليوم من جدل حول الدستور وحول فقرات تخصّ الدين وكأنّه ظاهرة جديدة في مجتمعنا . وتقسيمات غريبة لا تمتُّ للواقع بأيّ شيء، على ضوء من قال نعم لأنّه مع الدين، ومن قال لا ليس مع الدين. ومحاولة البعض لاستبعاد طائفة من المجتمع لمجرد الإختلاف معهم ليس في الدين فقط، وإنّما في الفكر أو الرأي. وكأنّ الدين في خطر، ويمكن القول بأنّ الإسلام يملك في هذا الموضوع تراثاً غنيّاً.

فقد قام التاريخ الإسلامي والتجربة التاريخيّة للإسلام في بداياته على قبول الخصوصيّات المتنوّعة لكافة المجموعات المختلفة، دينيّة كانت أم قوميّة أم ثقافيّة أم لغوية. ووَجدت أديان ومذاهب وثقافات وأقوام عديدة إمكانيّةَ العيش بأمان في ظلّ ”وثيقة المدينة”، الّتي كانت مثالاً جيّداً طُبّق في الواقع العملي كأنموذج للعيش معاً بسلام.

في العام الأول من هجرة الرسول إلى المدينة في بيعة العقبة الثانية، تكوّنت دولة جديدة متنوعة لها ذاتيّة مستقلة تميّزها عن غيرها، يحكمها قانون واحد، وتسير حياتها وفقاً لنظام واحد، وتهدف إلى غايات مشتَرَكة بين جميع أطيافها من أديان وأعراق على أساس دستور مكتوب وهو “الصحيفة”، الّتي كُتِبت بإملاء من الرسول صلّى الله عليه وسلم، والّتي مثّلت السياسة الداخليّة للدولة الإسلاميّة مع (الآخر اليهودي – والوثني) وهو ما يسمى في العصر الحديث الدستور.

اليوم يشرّعون إنشاء قيود للحريّات باسم الإسلام، بينما عرف الإسلام الحقّ في حريّة المعتَقَد والرأي، ورسّخ هذه المبادئ منذ أربعة عشر قرنا‏، فَحين هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجد فيها عقائد مختَلِفة وقبائل شتى‏، تشكّلت بعد استقراره إلى فئات ثلاث في ذلك المجتمع الجديد، ‏هم‏:‏ المسـلمون‏ ،واليهود‏، والعرب المشركون،‏ويتألّف المسلمون من المهاجرين والأنصار، الّذين يتألّفون بدورهم من الأوس والخزرج‏، وهو ما يمثّل نسيجًا غريبا ومخالِفًا لتقاليد العرب وأعرافهم في ذلك الوقت في الجزيرة العربيّة‏.‏………

وفي ظلّ ذلك التنوع أراد الرسول، صلى الله عليه وسلّم، أن يؤسّس دولةً قويّة يسودها السّلام والتعاون والمشَارَكة بين جميع أطيافها، على مختلف مشاربهم.‏

ومن هنا جاءت وثيقة المدينة كأوّل دستور للدولة المدنيّة، يحدّد ملامح دولة الإسلام الجديدة‏، ولا يفرق بين مواطنيها من حيث الدين أو العرق أو الجنس‏، فأكّد‏” أنّ أطراف الوثيقة عليهم النّصر والعون والنّصح والتناصح والبرُّ دون إثم، وحرصت الوثيقة على أن يكون الدّفاع عن حدود هذه الدولة مسؤوليّة الجميع‏، مؤكدة روح المساواة والعدل والتعاون والتعايش السلمي بين أطرافها.‏

وكان من أبرز أسس هذه الوثيقة‏، العدالة،‏” وتمثلت في توافق الحقوق والواجبات وتناسقها‏، ‏إذ تضمّنت حقوق الأفراد جميعا في ممارسة الشعائر الدينية الخاصة‏، وحقوقهم في الأمن والحريّة وصون أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ودور عبادتهم‏.. ……

وقد قامت الوثيقة بين أهل المدينة على أربعة محاور، أوّلها‏: ‏الأمن الجماعي والتعايش السلمي بين جميع مواطني دولة المدينة‏، حيث قال، صلى الله عليه وسلّم،‏:”إنّه من خرج آمنا‏، ومن قعد بالمدينة‏ آمنا، إلّا من ظلم وأثم‏، وإنّ الله جار لمن بر واتّقى”. كما حفظ حقّ الجار في الأمن والحفاظ عليه كالمحافظة على النفس‏، حيث قال‏:”وإنّ الجار كالنّفس غير مضار ولا آثم‏”.‏……

أمّا المحور الثّاني‏فيتمثّل في ‏ضمان حريّة الإعتقاد والتعبّد‏، فقرّر‏:”لليهود دينهم وللمسلمين دينهم‏، مواليهم وأنفسهم‏، إلّا من ظلم وأثِم فإنّه لا يهلك‏ إلا نفسه وأهل بيته‏”.‏

ويتمثّل ثالث المحاور في‏:‏ضمان المساواة التّامة لمواطني دولة المدينة في المشارَكَة الفاعلة في مجالات الحياة المختلفة، تحقيقا لمبدإ أصيل تقوم عليه الدول الحديثة في عالم اليوم‏، وهو مبدأ المواطنة الكاملة‏، والّذي لم يكن جليّا حينئذ‏، إلّا أنّ دستور المدينة ضمن هذا الحقّ لكلّ ساكنيها‏‏.‏

وقد رسخ المحور الرابع إقرار مبدإ المسؤوليّة الفرديّة‏، الّتي أصّلها هذا الإعلان عن النظام‏، وأخذ الموافقة عليه‏، وهو ما أكدته الوثيقة‏:، أنّه لا يكسب كاسب إلّا على نفسه‏، وأنّ الله عليّ وكلامه أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرّه‏، وأنّه لا يأثم امرؤ بحليفه وأنّ النصر للمظلوم‏”.‏

وتعتبر صحيفة المدينة أوّل دستور ينظّم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين‏، حيث اعتمد الرسول في الوثيقة مبدأ المواطَنَة‏، فوُضِعت فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطَنَة الكاملة، الّتي يتساوى فيها المسلمون مع غيرهم من ساكني المدينة المنوّرة ومن حولها،‏وفي ظلّ التنوع الديموغرافي الّذي ساد المدينة حينذاك‏، كان اليهود أبرز هذه الفئات‏، ولذا فقد ذكرهم الرسول في أكثر من بند من هذه الوثيقة‏، حيث أكّد أنّ اليهود من مواطني الدولة الإسلاميّة‏. وعنصر من عناصرها‏، وإنّه من تبعنا من يهود‏، فإنّ له النصر والأسوة غير مظلومين‏ ولا متناصَر عليهم‏” كذلك قال‏ :”"”وإنّ يهود بني عوف أمة مع المؤمنين‏”.‏

وفي هذا الدستور الحقوقي، نرى أنّ الإسلام قد عدّ الآخرين‏، ‏خاصّة أهل الكتاب الّذين يعيشون في أرجائه‏-‏ مواطنين‏، وأنّهم أمّة مع المؤمنين،‏ ما داموا قائمين بالواجبات المترتّبة عليهم‏، فاختلاف الدّين ليس سبَبًا للحرمان من مبدإ المواطنة‏.‏

إنّ هذه الوثيقة أوّل دستور لجميع سكّان الدّولة باعتبارهم‏:” أمَّة من دون الناس،‏” فهم جميعًا شركاء في نظام سياسي واحد، يضمن لهم حقوقًا متساوية‏، ويستظلّون بحماية الدولة‏، مقابل أدائهم واجباتهم في الدفاع عنها‏، لذا فقد وقّع على هذه الوثيقة سكّان المدينة كلّهم‏، ورضوا بها دستورا حاكما بينهم‏ لما وجدوه بها من عدل ومساواة‏.‏

وإذا كانت تلك الوثيقة تدعو إلى هذه القيَمِ الرفيعة مع أهل الكتاب من اليهود‏، فكيف الظّن اليوم بمن هم أخوة في الدين والهوية والوطن؟

نقلاً عن "جدل" التونسية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات