أمريكا تحتج على الأحكام.. وحكومتنا "تبلع السكينة بدمها"

منذر بالضيافي

نشر في: آخر تحديث:

أصدرت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بتونس، تعليق على الأحكام الصادرة في حق المتورطين بالهجوم على سفارتها بتونس يوم 14 سبتمبر 2012.


وجاء فيه أن سفارة الولايات المتحدة الأمريكية اطلعت على عدد من التقارير الإعلامية التي تخص الأحكام التي صدرت في شأن بعض المتهمين بالضلوع في الهجوم على السفارة الأمريكية بتونس فانه "لا يسعنا إلا أن نعبر عن شديد انزعاجنا من الأحكام التي قضت بإسعاف المتهمين بتأجيل التنفيذ".

واعتبرت السفارة أن الأحكام الصادرة "لا تتطابق إطلاقا مع مدى خطورة أعمال العنف التي وقعت يوم 14 سبتمبر 2012 وحجم الأضرار التي لحقت السفارة.

كما طالبت بضرورة إجراء تحقيق شامل وتقديم مخططي الهجوم والباقين في حالة سراح إلى العدالة". وأشارت أيضا، الى "أن الحكومة التونسية مسؤولة بموجب القانون الدولي على حماية جميع البعثات الدبلوماسية وموظفيها في تونس.

ولئن صرحت الحكومة التونسية بصفة علنية عن معارضتها للجهات التي تستخدم العنف فإنه يجب عليها أن تثبت من خلال خطوات عملية أنه لا يمكن إطلاقا التسامح مع الذين يشجعون على استعمال العنف ويستخدمونه لتحقيق أهدافهم. ووصفت السفارة بان الحكم الصادر في 28 ماي قد "فشل" في بعث رسائل قوية للجماعات المتشددة.

رد فعل غير مسبوق
ويعتبر موقف السفارة من حيث الشكل والمضمون، بمثابة رد فعل لافت وغير مسبوق في العرف الدبلوماسي.
فقد تجاوز منطوق "الرد" مراعاة الجوانب الدبلوماسية المعمول بها عادة في مثل هذه الأحداث. واللافت أيضا هو السكوت الحكومي، حيث لم يصدر أي بيان عنها يعقّب على ما جاء في بيان السفارة. فهل "بلعت حكومتنا السكينة بدمها"؟ كما يقال.
عبّر موقف السفارة صراحة عن وجود قلق وصل درجة الانزعاج، لدي الإدارة الأمريكية من تنامي الجماعات المتشددة في تونس ما بعد الثورة. التي كانت واشنطن تنظر إليها على أنها مرشحة لتكون "مخبر" للتعاطي مع حكم تقوده حركة إسلامية توصف في خانة الاعتدال. وان كان من السابق لأوانه التسرع بالقول أن "موقف السفارة" يعبر عن تحول استراتيجي في العلاقة بحركة النهضة الإسلامية الحاكمة. التي ما زالت لم تستنفد كل أوراقها لدي الإدارة والمراكز والهيئات التي تساعد في صنع القرار.
وان كانت "غزوة" السفارة قد أحدثت "هزة" في العلاقة بين الطرفين. وهو ما تدعم بالتعليق على الأحكام الصادرة على من ارتكب هذه "الكبيرة" في حق أحد رموز السيادة الأمريكية. فان الدوائر القريبة من صنع القرار في واشنطن، في علاقة بحركات الاسلام السياسي المعتدل ومنها النهضة، تستبعد حصول قطيعة في المنظور القريب أو الآني.
بل أنها يمكن أن تتجاوز "كبريائها المجروح في غزوة السفارة"، واعتباره يندرج ضمن طبيعة خصوصيات المرحلة الانتقالية، التي تتميز بوجود ما نسميه في تونس بـ "الانفلات"، وهذا ما فهمته الحكومة التونسية، التي يبدو أنها اختارت "الصمت"، بما يشير إلى اعتبارها موقف السفارة مجرد تعبير عن رأي وليس تدخلا في الشأن الوطني. وفي هذا السياق علمت "المغرب" من مصادر حكومية مطلعة أن وزارة العدل ستصدر في وقت لاحق بيانا ستؤكد فيه على "استقلالية القضاء والنيابة العمومية".
لكن هذا لا ينفي أبدا تأكيد الإدارة الأمريكية على وجود "خطوط حمراء" لا يمكن تجاوزها أو التغافل عنها. وخاصة تلك المتصلة بمحاربة التنظيمات الدينية المتشددة، وعدم إخضاع التعاطي مع هذه التنظيمات إلى حسابات داخلية، سواء كانت انتخابية أو لترضية أجنحة وتيارات داخل الحركة، وهذا ما سقطت حركة النهضة في فخه، إلى حد الاستفاقة على "غزوة" السفارة وما تلاها من مصادمات مع أنصار التيار السلفي المتشدد.

التسويق لإسلام معتدل
وهذا ما أكد عليه راشد الغنوشي في تصريحاته الأخيرة، بكون الحكومة التي يترأسها حزبه "حازمة" في التصدي للتيار السلفي المتشدد، وأنها حاصرته ومنعت أنشطته بل أنها تجاوزت ذلك إلى حد سقوط قتلي، منهم أربعة في المواجهات التي حصلت أثناء "غزوة" السفارة الأمريكية. وقد أكد عليه في جلسة خاصة جمعته بأنصار حركة النهضة في حي التضامن بالعاصمة عشية الخميس 22 ماي 2013، إذ شبه الغنوشي السلفيين الجهاديين دون أن يسميهم بالخوارج. وتحدى ما اسماه بالمتشددين بان يؤتوه بدولة واحدة تعتبر مثالا لهم يمكن الاقتداء بها. وقال "نحن شاهدنا ما وقع في أفغانستان وما وقع في مالي وما وقع في الصومال وبلدان أخرى كثيرة من مهالك بسبب الغلو وبسبب التعجل وعدم الدراية بالواقع".
وخاطب الغنوشي المتشددين دينيا قائلا "اعطونا دولة واحدة نجحت في تطبيق الإسلام وسنقلدها وأضاف هل تريدوننا ان نقلد افغانستان او العراق او الصومال! ".

وأشار الى "ان تونس بتجربة حركتها الاسلامية المعتدلة التي تراعي الواقع ينظر اليها كل العالم الإسلامي بعين الامل. اذا فشلنا في تجربتنا التونسية فسيصاب العالم الاسلامي بالاحباط على حد قوله". وهنا يلتقي مع الموقف الذي يدافع عنه بعض قادة الأبيض وخبراء السياسة الخارجية الأمريكية الذين "يراهنون" على "الإسلام المعتدل". خصوصا وانه قد تعهد بمحاربة التيارات المتشددة التي تناصب العداء لأمريكا.

ولعل الرسالة الأخري الهامة في ثنايا موقف السفارة، هو الموجه للمؤسسة القضائية، حيث عبرت عن "احتجاج" على أحكام القضاء التونسي، في اشارة واضحة الى خضوعه للتجاذبات وبالتالي وضع نزاهته في الميزان. وهو الصورة المروجة عن قضائنا في الخارج، والتي أشارت اليها تقارير صادرة تتهمه بعدم احترام الاجراءات الذي هو أهم من الأصل. ما جعل البعض يشكك في بعض المحاكمات التي جرت، وان كان هذا فيه الكثير من المغالاة وهدفه ضغط جهات على القضاء للتساهل مع رموز الفساد في العهد السابق.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.