سلطة‮ ‬مريضة‮ ‬ورئيس‮ ‬غائب؟‮ !‬

عبد العالي رزاقي

نشر في: آخر تحديث:

لا أعتقد أنه بإمكان السلطة الحالية في الجزائر أن تفكر يوما ما في مطالبة فرنسا بالاعتذار للشعب الجزائري عن جرائمها الاستعمارية أو دعوتها إلى إرجاع أرشيف البلاد وما نهبته منها خلال 130 سنة من الاستيطان لأن من يحكموننا اليوم رهنوا السيادة لدى وزارة الدفاع الفرنسية‮ ‬بسبب‮ "‬سوء‮ ‬تسيير‮ ‬أزمة‮ ‬مرض‮ ‬الرئيس‮" ‬حتى‮ ‬صار‮ ‬يوقع‮ ‬قرارات‮ ‬الدولة‮ ‬في‮ ‬المستشفى‮ ‬العسكري‮ ‬بباريس‮.‬

‭ ‬السيادة‮ ‬المنقوصة

قد يقول البعض إن توقيع الرئيس للقرارات _ ولو خارج الجزائر _ يسهل مهمة الحكومة في آداء وظيفتها التنفيذية لأن هذه القرارات في خدمة الشأن العام، وقد يقول البعض الآخر إن الدستور يخوّل له ذلك، وبين دستورية التوقيع وعدم دستوريته تفقد الجزائر سيادتها لأن كاميرات مستشفى" فال دوغراس" ومستشفى "المعطوبين" ستحتفظ بالصورة والصوت لكل حركات الرئيس ومن يحيطون به، وهكذا تكتمل الصورة لدى فرنسا في جمع أسرار الدولة الجزائرية (أثناء الاستعمار وبعد استرجاع السيادة) في أرشيف واحد، وعندما نحتفل عام 2062م بالذكرى المئوية للاستقلال سيدرك‮ ‬من‮ ‬يحكمون‮ ‬الجزائر‮ ‬يومئذ‮ ‬أنهم‮ ‬مرهونون‮ ‬لفرنسا‮ ‬لأن‮ ‬القانون‮ ‬الفرنسي‮ ‬يسمح‮ ‬بعد‮ ‬مرور‮ ‬50‮ ‬سنة‮ ‬بنشر‮ ‬هذا‮ ‬الأرشيف‮. ‬

إن تبرير رجال القانون الجزائري توقيع الرئيس للقرارات خارج الوطن لا يخلو من "السذاجة والاستخفاف" بالشعب، فالسيادة تكون في السفارة الجزائرية بفرنسا وليس خارجها، وما قاموا به هو مجرد تضليل للرأي العام الجزائري ظنا منهم أن تسيير الدولة بهذا الشكل يزيد من احترام الشعب لهم فما ضرهم لو اقتدوا بالرئيس الموريتاني الذي نقلت صوره الى شعبه وهو بالمستشفى أو الرئيس المصري الذي نقلت صوره من المستشفى الألماني وهو على سرير المرض أو الرئيس التركي الذي طمأن شعبه حول مرضه وهو في المستشفى بالصوت والصورة، وحتى الملوك العرب كانت تنقل صورهم من المستشفيات وهم على كراسي متحركة، فليس العيب أن يكون الرئيس مريضا وشعبه يدعو له بالشفاء وإنما العيب أن تصبح السلطة مريضة والشعب غير مهتم بتصريحاتها مادامت الرئاسة الفرنسية ووزارة دفاعها تمدانه بالمعلومات عبر وسائلها الإعلامية.

الأعداء‮ ‬الافتراضيون؟‮!‬

تحاول السلطة وأحزابها أن تسوق لفكرة أن الجزائر عرفت ربيعا عربيا في 5 أكتوبر 1988م، وإذا اعتبرنا ذلك صحيحا فلا بد من إعادة فتح ملف "التعذيب" ومحاكمة من تسببوا فيه، ولا بد من إعادة فتح ملف "الإرهاب" والأطراف المشاركة فيه خاصة وأن الكثير منهم أصبح يعترف ويعتز بما قام به من اعتداءات ضد المواطنين والمجندين وكل من له علاقة بالفكر والثقافة والعلم ويعتبرها "بطولات وأمجادا" إن هذا الادعاء يؤكد فرضية واحدة وهي أن السلطة الجزائرية ضد التغيير حتى ولو كان مجرد إصلاحات فالدستور الذي زعمت أنه في طريقه إلى البرلمان أصبح غير‮ ‬موجود‮ ‬والوقت‮ ‬لا‮ ‬يكفي‮ ‬لمناقشته‮ ‬والتصديق‮ ‬عليه‮.‬

إن المرحلة التي تعتبرها السلطة ربيعا شكلت انقساما داخل المجتمع الجزائري وتنافسا بين الدول العظمى على خيراتها ومع ذلك لم تتمكن فرنسا أو أمريكا من الهيمنة على القرار الجزائري في حين صرنا اليوم رهن السلطة الفرنسية لأن أصحاب القرار عندنا دخلوا مرحلة البحث عن رئيس جديد لخلافة بوتفليقة ويظهر ذلك من خلال تصفية المصالح الأمنية لـ(وزراء الرئيس) مثل "المركز العملي الوطني للمساعدة على القرار" الذي أنشأه وزير الداخلية السابق يزيد زرهوني بعد أحداث ما يسمى بـ"الربيع القبائلي الثاني" لعام 2001م، وانتقل الصراع إلى المؤسسات الإعلامية السمعية البصرية والصحافة المكتوبة فصارت هناك قوائم ممنوعة من الظهور في "اليتيمة" وأخرى ممنوعة من تولي مسؤوليات في الصحافة المكتوبة وصارت الحرب بالوكالة في وسائل الإعلام بين "رجالات " السلطة و"المرشحين المحتملين" معلنة، فهل ستكون عودة الرئيس مرحلة‮ ‬أخرى‮ ‬من‮ ‬هذه‮ ‬الحرب؟‮.‬

الخطر‮ ‬القادم‮ ‬من‮ ‬الحدود‮ ‬

هناك من يراهن على المؤسسة العسكرية ليكون مرشحها القادم وهو رهان خاسر لأن هذه المؤسسة صارت مهامها أكبر من مهام رئيس الجمهورية القادم فحدود الجزائر الغربية والجنوبية والشرقية باتت "ملغمة" بشتى أنواع المخاطر، فالحدود مع المغرب "ملغمة ببارونات المخدرات"، وحدودها مع مالي "ملغمة باطروحات الانفصاليين والصراعات القبلية" وحدودها مع ليبيا "ملغمة بتجار السلاح" وحدودها مع تونس "ملغمة بما يسمى بالإرهاب السلفي" وهذا يعني أن المؤسسة العسكرية ستكون بعيدة عن الصراع السياسي حول الرئيس القادم، لكن بعض الأطراف داخل السلطة وخارجها‮ ‬تريد‮ ‬إقحامها‮ ‬في‮ ‬الصراع‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬التسيير‮ ‬السيئ‮ ‬لملف‮ ‬مرض‮ ‬الرئيس‮.‬

وأزعم أن الجزائر دخلت فضاء الدول العربية التي قد تفقد قرارها السيادي بسبب تداعيات "غياب الرئيس ومرض السلطة"، فوزارة الدفاع الفرنسية تحوّلت إلى ناطق رسمي باسم السلطة الجزائرية فهي التي أخبرتنا بنقل الرئيس إلى مستشفى المعطوبين مثلما أخبرت روسيا أصدقاء الثورة السورية موافقة الرئيس بشار الأسد على حضور وفد سوري رسمي في مفاوضات "جنيف 2"، فأي مستقبل للجزائر وعلى حدودها الجنوبية قاعدتان عسكريتان أمريكية وفرنسية؟ وكيف ستخرج من الأزمات التي تعيشها حاليا بسبب تراجع حضورها الديبلوماسي في المحافل الدولية؟ وهل سيكون الرئيس‮ ‬القادم‮ ‬هو‮ ‬الحل‮ ‬أم‮ ‬أنه‮ ‬سيمدد‮ ‬في‮ ‬عمر‮ ‬الأزمة؟‮.‬

المؤكد‮ ‬أن‮ ‬الأسابيع‮ ‬القادمة‮ ‬ستكون‮ ‬حاسمة‮ ‬لأن‮ ‬ظهور‮ ‬الرئيس‮ ‬سيضع‮ ‬حدا‮ ‬للإشاعات‮ ‬والتضليل‮ ‬الإعلامي‮ ‬ويكشف‮ ‬عمن‮ ‬تسببوا‮ ‬في‮ ‬سوء‮ ‬تسيير‮ ‬الأزمة‮ ‬ومن‮ ‬استغلوها‮ ‬لتقزيم‮ ‬صورة‮ ‬الجزائر‮ ‬أمام‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮ ‬الدولي‮. ‬

جريمة‮ ‬ولويتش‮ ‬لن‮ ‬تقسم‮ ‬بريطانيا

ما حدث الأسبوع الماضي في ولويتش بلندن أثار اشمئزازنا جميعا إذ شاهدنا صورا مرّوعة للقتل الوحشي لجندي بريطاني شجاع كان ببساطة ماضيا في شوارع لندن لقضاء شؤونه. وكما قال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في بيان بعد وقت قصير من الحادث: "إن الأشخاص الذين فعلوا هذا كانوا‮ ‬يحاولون‮ ‬التفريق‮ ‬بيننا‮ ‬وينبغي‮ ‬عليهم‮ ‬أن‮ ‬يعرفوا‮ ‬أن‮ ‬أمرا‮ ‬كهذا‮ ‬لن‮ ‬يفلح‮ ‬سوى‮ ‬في‮ ‬التوحيد‮ ‬بيننا‮ ‬وجعلنا‮ ‬أقوى‮".‬

كما‮ ‬كان‮ ‬رئيس‮ ‬الوزراء‮ ‬واضحا‮ ‬في‮ ‬رده‮ ‬بأن‮ ‬المملكة‮ ‬المتحدة‮ ‬ستكون‮ ‬حازمة‮ ‬كل‮ ‬الحزم‮ ‬في‮ ‬موقفها‮ ‬ضد‮ ‬التطرف‮ ‬العنيف‮ ‬والترهيب‮.‬

لا‮ ‬ينبغي‮ ‬للمجتمع‮ ‬الدولي‮ ‬أن‮ ‬يرضخ‮ ‬أبدا‮ ‬للترهيب‮ - ‬أو‮ ‬الإرهاب‮- ‬أيا‮ ‬كان‮ ‬شكله‮.‬

وهو الرأي الذي يشاطره الجميع في المجتمع البريطاني، إذ لم يكن الأمر مجرد هجوم على بريطانيا وأسلوب حياة البريطانيين بل هو أيضا خيانة للإسلام وللمجتمعات المسلمة التي قدمت إسهامات كبيرة لبلادنا، ليس في الإسلام ما يبرر مثل هذا العمل الفظيع، يمكننا هزيمة التطرف العنيف‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬بقائنا‮ ‬متحدين‮ ‬ودعم‮ ‬أجهزة‮ ‬الشرطة‮ ‬والأمن‮ ‬لدينا،‮ ‬وقبل‮ ‬كل‮ ‬شيء‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬تحدي‮ ‬خطاب‮ ‬التطرف‮ ‬المسموم‮ ‬الذي‮ ‬يغذي‮ ‬هذا‮ ‬العنف‮.‬

ستواصل بريطانيا العمل مع الشركاء الدوليين، بما في ذلك الجزائر، لجعل العالم في مأمن من الإرهاب. هذا الإرهاب الذي أودى بحياة المسلمين أكثر من أية ديانة أخرى، والتظاهر بخلاف ذلك تحريف مطلق للحقيقة، ولذلك فليس هناك أي تبرير على الإطلاق لهذه الأعمال التي لا يتحمل‮ ‬مسؤوليتها‮ ‬سوى‮ ‬الأشخاص‮ ‬المقيتين‮ ‬الذين‮ ‬قاموا‮ ‬بهذا‮ ‬العمل‮ ‬الفظيع‮.‬

وكانت هناك لحظة مؤثرة جدا خلال الإعتداء الذي وقع الأسبوع الماضي لما واجهت مسؤولة أشبال الكشافة انغريد لويو كينيت أحد المهاجمين في شوارع ولويتش. حيث ردت على قول المهاجم إنه يرغب في بدء حرب في لندن، قائلة: "سوف تخسرون لأنكم تقفون وحدكم في وجه عدد كبير من الناس‮"‬،‮ ‬لقد‮ ‬تكلمت‮ ‬بالنيابة‮ ‬عنا‮ ‬جميعا‮.‬

سوف‮ ‬تتبع‮ ‬أجهزة‮ ‬الشرطة‮ ‬والأمن‮ ‬البريطانية‮ ‬كل‮ ‬الأدلة‮ ‬وتحقق‮ ‬فيها‮ ‬وتبحث‮ ‬عن‮ ‬كل‮ ‬الروابط‮ ‬الممكنة،‮ ‬ولن‮ ‬تتوانى‮ ‬حتى‮ ‬نعرف‮ ‬جميع‮ ‬التفاصيل‮ ‬المحيطة‮ ‬بما‮ ‬حدث،‮ ‬ونجلب‮ ‬جميع‮ ‬المسؤولين‮ ‬إلى‮ ‬العدالة‮. ‬

تقدر المملكة المتحدة بشدة الدور الذي تلعبه الجزائر في مجال مكافحة الإرهاب، وسنظل حريصين على تعزيز عملنا في مجال مكافحة الإرهاب مع الجزائر، حيث يعتمد بلدانا نهجا مشتركا وللأسف كان لكل منا تجربة طويلة مع الإرهاب، لكن هذا يعطينا خبرات مشتركة يمكننا أن نتعلم منها على حد سواء وتجعلنا أقوى، إذ تتفق على سبيل المثال كل من المملكة المتحدة والجزائر على أنه ينبغي ألا تدفع الفديات في حالات الاختطاف. وبما أنه لدينا الآن شراكة أمنية استراتيجية مع الجزائر، برئاسة مستشار الأمن القومي البريطاني، السير كيم داروش، ومعالي الوزير‮ ‬الجزائري‮ ‬المنتدب‮ ‬للشؤون‮ ‬الإفريقية‮ ‬والمغاربية،‮ ‬السيد‮ ‬عبد‮ ‬القادر‮ ‬مساهل،‮ ‬فقد‮ ‬صرنا‮ ‬نملك‮ ‬جهازا‮ ‬مفيدا‮ ‬للتعاون‮ ‬بشكل‮ ‬أكثر‮ ‬تكثيفا‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬ضمان‮ ‬أمننا‮ ‬المشترك‮.‬

وكما‮ ‬قال‮ ‬رئيس‮ ‬الوزراء‮ ‬ديفيد‮ ‬كاميرون‮ ‬بعد‮ ‬جريمة‮ ‬القتل‮ ‬الوحشية‮ ‬الأسبوع‮ ‬الماضي،‮ "‬إن‮ ‬أحد‮ ‬أفضل‮ ‬السبل‮ ‬لهزيمة‮ ‬الإرهاب‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬نواصل‮ ‬حياتنا‮ ‬العادية‮ ‬وهذا‮ ‬ما‮ ‬سنقوم‮ ‬به‮ ‬جميعا‮".‬

نقلاً عن صحيفة "الشروق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.