"الراي" مغربي و"الدقلة" تونسية والعنف جزائري!

الصغير سلام

نشر في: آخر تحديث:

تبدو الصورة قاسية جداً في العنوان أعلاه، لكنها جزء من واقع نحن الجزائريين مسؤولون عنه كل المسؤولية، وتزداد الصدمة حين نغوص في تفاصيل تلك الصورة التي تشكلت عبر السنوات عن الإنسان الجزائري عند غيره من الشعوب، أو عند أشقائه وجيرانيه، وهي صورة مناقضة جذرياً عن الصورة التي يحملها عن نفسه بأنه الأروع والأحسن والأشجع والأول في إفريقيا والثالث عالمياً.

نعود إلى قصة "الراي" الذي أصبح يسوق عند إخواننا العرب في المشرق والخليج العربيين على أنه موسيقى مغربية، بل إن كثيراً من الشباب يعتقدون أن شباب الراي وكهوله، مثل ملك الراي خالد حاج إبراهيم (الشاب خالد) ومحمد خليفاتي (مامي) وموفق بلال (الشاب بلال) وفضيل بيلوى (الشاب فضيل) وحليمة مازي (الزهوانية) وغيرهم كثيرون هم من مواطنين مغاربة، وأن الأغاني التي يترنمون بها في المهرجانات الموسيقية في مراكش والدار البيضاء إنما هي موسيقى من التراث الغنائي للمغرب الشقيق، وليذهب الشاعر مصطفى بن إبراهيم، والحاج محمد الغوايشي الشهير بالشيخ حمادة، والشيخة الريميتي (باضيف سعدية) وغيرهم من أساطين الراي إلى طي النسيان، لأن "الراي" صار ممثلاً بالشابة نبيلة المغربية وفيفي وسهام وغيرهن، ولا داعي إلى الغوص في تاريخ الراي في هذا المقام، ويكفي القارئ أن يطالع كتاب الكاتب الصحافي والمترجم سعيد خطيبي الموسوم (أعراس النار.. قصة الراي) وهو الأول من نوعه الذي يتطرق إلى ظاهرة أغنية الراي الجزائري وتاريخه ورموزه وتطوره عبر العقود الماضية.

لكن هل المشكلة في المتلقي أو في صاحب الرسالة؟ لماذا لا يختلف اثنان على أن أغنية وفيلم "جانيتو" أصلهما من الهند؟ ولماذا يعلم جمهور الفن أن أغنية فيلم "التايتانيك" هي للفنانة الكندية "سيلن ديون" ابنة مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية؟ علينا أن نسأل ونواصل طرح الأسئلة: كم من مهرجان موسيقي جزائري أقيم في صنعاء أو دمشق أو دبي أو القاهرة حتى يصبح الاستماع إلى أغنية (وهران وهران رحتي خسارة) للأستاذ الكبير أحمد وهبي (واسمه الحقيقي أحمد دريش التيجاني) بصوت الشاب خالد بطعم "دقلة نور"الجزائرية؟

وعلى ذكر تمور "دقلة نور" فإنها تباع في الأسواق الخليجية في محلات "كافور" وغيرها من المراكز التجارية الكبرى على أنها تمور تونسية، طبعاً بعد أن يذهب التاجر التونسي "الشاطر" إلى بساتين النخل ببسكرة بالجنوب الشرقي الجزائري ويشتري المحصول من الفلاحين، وربما هربه عبر الحدود لصعوبة عمليات التصدير، وربما تولى مهمة تهريب تمور "الدقلة" إلى الجارة تونس مهربون جزائريون لذات السبب، وهو تعقيد عمليات التصدير وأحياناً استحالتها، فمقابل كل طن من المحاصيل الزراعية يطالب التاجر الراغب في التصدير أن يوفر طناً آخر من الأوراق. طبعاً الدقلة الجزائرية يتم تعليبها وتغليفها في تونس، وربما في إيطاليا في علب أنيقة وجميلة وجذابة، وتصدر إلى الأسواق العربية وغير العربية، وقد كتب فوقها بعربية فصيحة (دقلة نور تونسية).

يا حلاوة.. وماذا تبقى لنا كجزائريين بعد أن صوردت موسيقانا الرايوية من قبل أشقائنا في المغرب وهي الموسيقى التي عانى من أجلها الشاب خالد حاج ابراهيم وهو في العشرينيات من عمره مضطراً للسكن عند شقيقته في حي "بلاج أواست" قرب منتجع سيدي فرج غرب العاصمة لكي يتمكن من الغناء في الملاهي والمطاعم، ومنها مطعم "لاسياندا" الشهير بمنطقة موريتي مقابل دنانير قليلة وأحياناً بالمجان.

"الراي" موسيقى الاحتجاج والتمرد الذي سافر من "البارات" الشعبية المظلمة في الغرب الجزائري بعد أن تخلى عن "القصبة" و"القلال" وعانق القيثارة الكهربائية والـ"ساكسوفون" و"السانتي" وغيرها من الآلات الموسيقية العصرية ها هو يعلب في أصوات مغربية جميلة ويصدر إلى البلدان العربية وغير العربية على أنه غناء مغربي أصيل، فهل المشكلة فينا أم في أشقائنا المغاربة ؟ علينا أن نعرف فقط كم عدد المهرجانات الموسيقية التي تقام عند جيراننا من جهة الغرب سنوياً، وكم يستضاف من شباب "الراي" الجزائريين والمغاربة إلى تلك المهرجانات، وكم يقابلها من مهرجانات عندنا في الجزائر؟

طيب.. إذا كان الراي مغربياً و"دقلة نور" تونسية ماذا تبقى للجزائريين؟ إذن.. للأسف في الصورة التي ليست بالضرورة صحيحة ينط إلى السطح شخص عصبي يلوح بيديه ومستعد للخصام والعراك في أي لحظة، بل قد يسيل دماً فقط من أجل إثبات أن الراي من صميم حناجرنا والدقلة من نخيلنا ورحم أرضنا.

نقلاً عن صحيفة "الصوت الآخر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.