عاجل

البث المباشر

حسين لقرع

<p>كاتب جزائري</p>

كاتب جزائري

ماذا بقي من هيبة البكالوريا؟

في السبعينيات والثمانينيات، كان طلبة البكالوريا شعبة آداب يطيرون فرحاً بعد أن يستلموا أوراق أسئلة امتحان الفلسلفة، ويقرأون فيها سؤالاً على غرار السؤال الذي طُرح في بكالوريا 2013، وهو "بماذا يتمّ التكيّف مع الواقع: بالعادة أم بالإرادة؟" فهو سؤالٌ سهل ويعدُّ الجوابُ الصحيح عنه، بمقالة جدلية مقنِعة، مفتاحَ النجاح في البكالوريا.

الآن انقلبت الآية وأصبح "طلبة آخر زمن" يرون هذا السؤالَ البسيط صعباً ويقيمون من أجله الدنيا ولا يقعدونها، فيثورون ويكسرون ويخربون ويعتدون على الأساتذة الحراس بالضرب والشتم.

والأغرب من ذلك، أن يلجأ الكثيرُ من الطلبة إلى عمليات غش جماعي في العديد من الولايات، أمام مرأى ومسمع الحراس، بذريعة "صعوبة الأسئلة".

قد نعذر الأساتذة الحراس الذين عجزوا عن منع الغشاشين فتركوهم وشأنهم ورفعوا تقريراً إلى الوصاية ينقلون فيه تفاصيل ما حدث، ولكن ماذا عن الأساتذة الذين قاموا بمساعدة الطلبة على الغش الجماعي والتواطؤ معهم، خوفاً منهم أو شفقة كاذبة عليهم؟ هل يملك هؤلاء ذرة من الوعي بخطورة ما يفعلون؟

وعوض إدانة جريمتي الغش الجماعي واللجوء إلى العنف والتخريب والابتزاز، والمطالبة بتطبيق القوانين بكل صرامة، وكذا مطالبة الأولياء بأن يُحسنوا تربية أبنائهم ويعلّموهم آداب احترام أساتذتهم وتوقيرهم، نسمع رئيس جمعية أولياء التلاميذ يلتمس الأعذار للطلبة ويقترح أربعة حلول لتدليلهم، أغربها منحهم جميعاً علامة 10 من 20 ولو قدّموا أوراقاً بيضاء.

الطالب الجدي هو الذي يحضِّر بجدية للامتحان بمراجعة كل الدروس المقررة، أو على الأقل تلك الواردة في "عتبة الدروس"، مع تحفظنا الشديد على هذه "العتبة" التي تعلّم الطلبة الكسلَ العقلي، ويكون مستعدا للإجابة عن أي سؤال يُطرح عليه مثلما كان طلبة العقود الماضية، عوض أن يتدلل ويشترط أسئلة على مقاسه، ويقول إنه كان ينتظر سؤالاً حول الشعور واللاشعور، ففوجئ بسؤال عن العادة والإرادة.

في العقود الماضية كانت البكالوريا بكالوريا حقيقية، ولا ينجح فيها سوى "طويل العمر" من الطلبة الجدِّيين المثابرين الذين يسهرون الليالي ويطالعون كتاباً بحجم "قضايا فلسفية" عدة مرات في العام، ولا يتركون للصدفة موضِعاً، ولا يهملون أي درس، ومع ذلك كانت نسبة النجاح أنذاك ضئيلة، وكانوا يتعرّضون للظلم والإقصاء، وبخاصة طلبة شعبة الآداب، أما الآن فقد أدت سياسة التدليل و"الكمّ" التي اعتمدها بن بوزيد إلى نجاح مئات الآلاف من الطلبة كل سنة وإغراق الجامعة بهم، والتفاخر بكثرتهم، ليتخرّج الكثيرُ منهم في الأخير بمستوى معرفي ضحل؛ فلا يُحسنون حتى كتابة طلب عمل، ولا يفرِّقون بين الفاعل والمفعول به، ولا نتحدث عن الممنوع من الصرف والمنصوب على الاختصاص، ومع ذلك نسمع انتقاداتٍ عن عدم تصنيف أية جامعة جزائرية ضمن الجامعات الـ500 الأرقى في العالم.

اليوم بات ضرورياً مراجعة سياسة بن بوزيد جذرياً ووضع حد لـ"البكالوريا السياسية" وسياسة تضخيم الأعداد على حساب نوعية التكوين، لقد فقدت البكالوريا هيبتَها وتميّعت وابتذلت، ولابد من أن تتدخل الوصاية لإصلاح الوضع، وإلا فإن "إصلاحاتها" الجديدة الموعودة لن يكون لها أي معنى وستصل إلى نفس نتائج سياسة بن بوزيد، وسيبقى مستوى المدرسة الجزائرية في الدرك الأسفل.

* نقلا عن "الشروق" الجزائرية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات