انقلاب جزائري ناعم

فيصل جلول

نشر في: آخر تحديث:

"لقد بات على جيلنا أن يسلم الراية للأجيال الشابة" بهذا التصريح الذي أطلقه في 28 مايو/ أيار عام 2012 قطع الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الطريق على الشائعات التي تحدثت عن نيته الترشح لولاية رابعة . وتأكد ذلك مرة أخرى قبل يومين، حيث امتنع الرئيس عن إدراج مشروع قانون لتعديل الدستور في مجلس الوزراء، ما يعني أنه صرف النظر جدياً عن ولاية جديدة .

بيد أن الرئيس الزاهد “طبياً” على الأقل لا يريد لخليفته أن يكون على الضد منه، وأن ينال من إرثه في الحكم، لذا عمل بحذر وبصمت على إعادة ترتيب السلطة، بحيث تكون كل مفاتيح الاستحقاق الرئاسي المقبل في قبضته، وأن يكون القادم على صورته فيمارس الحكم بشروط “بوتفليقية” إن جاز التعبير .

بادر بوتفليقة العائد إلى بلاده في يوليو/ تموز إلى تحضير الأجواء بصمت، ليشن تعديلاً مفاجئاً وغير مسبوق في السلطة منذ أكثر من عشر سنوات . فكان أن قلب موازين القوى في “جبهة التحرير الوطني” أي الحزب الحاكم في سياق معركة حادة فاز خلالها الرئيس الجديد للجبهة بفارق أصوات قليلة .

وفي المؤسسة العسكرية أطاح الجنرال عبدالمالك غنايزية، وهو من آخر الجنرالات الذين انقلبوا على “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” في العام 1199_ وعين الجنرال الثمانيني المخلص له بلقايد صالح نائباً لوزير الدفاع، على أن يحتفظ بمنصبه كرئيس للأركان، مع التذكير بأن بوتفليقة أصر منذ تسلمه منصبه على تولي وزارة الدفاع، فضلاً عن رئاسة الجمهورية .

في السياق نفسه خفض بوتفليقة صلاحيات الجنرال محمد مديان المعروف باسمه المستعار “توفيق” رئيس جهاز المخابرات العامة الكلي القدرة، والذي كان حتى أسابيع قليلة يعتبر صانع كل مراكز السلطة في الجزائر . فقد أصدر ثلاثة مراسيم من النوع الذي لا ينشر على الملأ، تقضي بفصل جهاز الإشراف على الإعلام، وجهاز الشرطة العسكرية، والقضاء العسكري عن المخابرات، علماً أن المؤسسات الثلاث كانت قد أضيفت لصلاحيات الجنرال “توفيق” في بداية الصراع مع الجماعات الإسلامية المسلحة مطالع تسعينات القرن الماضي .

الإجراءات التالية كانت علنية، فقد بادر الرئيس إلى تعيين محافظين جدد من الموالين له في ولايات أساسية، وأجرى تعديلاً حكومياً في 11 سبتمبر/ أيلول الماضي هو أقرب إلى الانقلاب الصامت منه إلى التعديل الوزاري، إذ قضى بإعفاء وزراء الداخلية والعدل والخارجية والصحة والزراعة والخدمات العامة والتعليم المهني . . إلخ، علماً أن الوزراء المبعدين هم من المقربين للمخابرات العامة أو من الذين تم تعيينهم بالتفاهم مع الجنرال “توفيق” . . والجدير بالذكر في هذا التعديل هو منصبي الداخلية والعدل اللذين صارا في عهدة صديقين مقربين من الرئيس، فوزارة الداخلية هي التي ستشرف على رئاسيات العام المقبل، ووزارة العدل تبت في أهلية المرشحين وتصادق على النتائج، والمؤسسات الإعلامية لن تتأثر من الآن فصاعداً بجهاز المخابرات، وبالتالي لن تنظم حملات التشهير التي كانت فعالة للغاية في دفع شخصيات سياسية إلى صدارة المسرح السياسي، وحرمان شخصيات أخرى من نعمة الترشح إلى هذا المنصب أو ذاك ناهيك عن الفوز به .

لا نعرف بعد رد فعل الجنرال “توفيق” الذي خسر في هذا الاختبار وزراء أساسيين في الحكومة، وصار فجأة تحت رحمة وزير الدفاع، أي الرئيس نفسه وقائد الأركان الجديد، فهل يرد على تحجيم جهازه وإرجاعه إلى حالته الأولى قبل الحرب الأهلية أم يرضخ للأمر الواقع كما رضخ غيره من قبل؟

الرد على السؤال يستدعي العودة قليلاً إلى الوراء، وبالتحديد إلى العام 1999 عندما تولى الرجل رئاسة الجمهورية بشروطه وليس بشروط الجنرال “توفيق”، فهو خبير بموازين القوى الجزائرية، ويعرف معابر السلطة ومخارجها بعد أن عمل وزيراً للخارجية لأكثر من عقدين في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين . ولأنه جاء بشروطه إلى الحكم فقد تمكن من تسريح رئيس الأركان السابق الجنرال الراحل محمد العماري الذي خاض حرباً شاملة ضد الإسلاميين، واعتبر الرجل الأقوى في المؤسسة العسكرية . واستطاع بوتفليقة أيضاً أن يكف يد جنرالات آخرين لا يقلون أهمية عن العماري، ومن بينهم الجنرال خالد نزار وزير الدفاع الأسبق، وذلك تحت ستار المصالحة الوطنية التي قضت بإبعاد رموز الحرب في الجيش، وإطلاق سراح قادة الإسلاميين، وإتاحة الفرصة لمن لم تتلوث أياديهم بالدماء لأن ينخرطوا في العملية السياسية التي ما انفكت ماضية حتى الآن في المسار الذي رسمه لها بوتفليقة منذ توليه الحكم .

أكبر الظن، أن ما شهدته الجزائر ليس تعديلاً وزارياً عادياً، بل انقلاباً في ميزان القوى، ما كان له أن يقع لولا التغيير البطيء في تركيب السلطة خلال ولايات بوتفليقة الثلاث، فمن المعروف أن معظم أهل الحكم كانوا يأتون منذ الاستقلال من شرق البلاد مهد الثورة على الاستعمار، وبالتحديد من مثلث يرمز إليه بأحرف “ب .ت .إس” أي مدن “باتنة” و”تيبازة” و”سوق احراس”، في حين بات الظرفاء يرمزون لأهل الحكم اليوم بأحرف “ت .إن .ت” أي “تلمسان” و”ندرومة” و”تيارت”، وهي مدن تقع في شمال غرب الجزائر مسقط رأس الرئيس وقسم وافر من رجال السلطة المقربين إليه، ما يعني أن انقلاباً بطيئاً سبق الانقلاب الأخير وجعله ممكناً .

ربما يشعر جنرالات السلطة المعروفين المحترفين بالندم هذه الأيام، لأنهم جاؤوا بعبدالعزيز بوتفليقة حتى يشرف على تصفية الحرب الأهلية، فإذا به يقلب السلطة على رؤوس الجميع، ويعيد ترتيبها وفقاً لخياراته لايعصمه انفجار في الدماغ، ولا يأبه لعسكري مرهوب الجانب، وكل ذلك بهدوء وحذر وابتسامة بريئة تضمر قوة ناعمة وجديرة بكسب حروب شرسة من دون إطلاق رصاصة واحدة .

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.