لماذا لم تحقق تركيا بتهريب الأسلحة إلى ليبيا كما وعدت؟

نشر في: آخر تحديث:

تصر أنقرة على النكوث بالوعود مع الليبيين، فبعد ما قام وزير الخارجية التركي، مولود شاووش أوغلو، بزيارة طرابلس ووعد بإجراء تحقيق مشترك، في أعقاب ضبط محاولتي تهريب أسلحة تركية الصنع إلى ليبيا الشهر الماضي، أعلنت سلطات الجمارك الليبية ضبط ومصادرة شحنة أسلحة ثالثة في ميناء الخمس البحري قادمة من تركيا.

واشتملت الشحنة المضبوطة على مدرعات قتالية وسيارات رباعية الدفع قادمة دون أي أوراق رسمية من المصدر أو المستورد، ما يعزز الشبهات بأنها كانت مهربة إلى جماعة مسلحة مجهولة.

وتعد الواقعة هي ثالث خرق لأنقرة لقرار مجلس الأمن الدولي، بحظر بيع ونقل الأسلحة إلى ليبيا في أقل من شهرين.

وكانت سلطات الموانئ الليبية قد تمكنت من محاولتي تهريب أسلحة تركية الصنع إلى ليبيا، ما أثار حينئذ ردود فعل معادية ضد أنقرة، وأججتها شكوك وقرائن كثيرة حول الدعم التركي المشبوه للمتطرفين في ليبيا، بحسب مقال ميشيل كوزينز، رئيس تحرير ليبيا هيرالد.

وذكر كوزينز أن وزير الخارجية المصري سامح شكري كرر مؤخرا اتهاماً مصرياً لقطر وتركيا بالعمل على زعزعة استقرار ليبيا، ودعمهما جماعات متطرفة مسلحة. وعلى وجه التحديد، اتهم الوزير شكري تركيا بتهريب الأسلحة إلى ليبيا.

الواقعة الأولى

في 18 ديسمبر، ضبط مسؤولو الجمارك الليبيون في ميناء الخمس، الواقع على بعد 120 كم شرق طرابلس، 3000 مسدس تركي الصنع من طراز بيريتا 9 ملم، و2.3 مليون طلقة ذخيرة في حاويتين تم شحنهما على متن سفينة من تركيا. وتشير الوثائق الرسمية المصاحبة للحاويتين إلى أنهما يشتملان على مواد بناء ودهانات للأرضيات.

المحاولة الثانية

وفي 7 يناير الماضي، عثر موظفو الجمارك في ميناء مصراتة الليبي، والذي يقع على بعد 208 كم عن طرابلس شرقًا، على أكثر من 20000 مسدس تركي عيار 8 ملم، مخبأة بداخل حاوية قادمة من تركيا، رغم تدوين بيانات سجلاتها الرسمية بأنها تشتمل على ألعاب أطفال وسلع منزلية.

الشحنة الثالثة

في 4 فبراير، قامت السلطات في ميناء الخمس بمصادرة 9 سيارات هجومية مدرعة طراز تويوتا سيراليون، تم إنزالها في الميناء، لم يعثر على أي أوراق رسمية صادرة عن الجهة المصدرة في تركيا أو المستوردة في ليبيا.

ردود أفعال فورية

وكان الجنرال خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، في رد فوري عند اكتشاف أول محاولة تهريب، أكد أن مجلس الأمن الدولي ينبغي أن يدين تركيا وأن يجري تحقيقاً كاملاً. ولم يكن رد فعل حفتر مفاجئا، إذ إنه يعتبر تركيا خصما يقوم بمساعدة وتحريض المقاتلين الإسلاميين الذين يخوض حفتر معركة قوية ضدهم منذ عام 2013.

كذلك كان الوضع بالنسبة للمجلس الرئاسي المنافس، الذي تسانده الأمم المتحدة، ومقره طرابلس، ويرأسه فايز السراج، والذي يحتفظ بعلاقات ودية مع أنقرة، استشعر مدى انفلات الوضع وأنه ملزم بطلب تفسير حول ما حدث.

ونددت الجزائر بعمليات التهريب، حيث صرح مسؤول حكومي بأن الهدف هو زعزعة استقرار ليبيا. ووصفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التقارير الواردة عن تلك المحاولات الإجرامية بأنها "مقلقة للغاية". وأشارت إلى أن فريق خبراء الأمم المتحدة سوف يجري تحقيقا في الأمر.

تعقيب تركي واه

ومن جانبه، قام وزير الخارجية التركي، مولود شاووش أوغلو، بزيارة لطرابلس بعد اكتشاف حادث التهريب الأول، لتهدئة وطمأنة الخواطر في المجلس الرئاسي. وقال الوزير التركي إن مثل هذه الأعمال "لا تمثل سياسة أو نهج الدولة التركية". واتفق مع السراج على إجراء تحقيق مشترك في الحادث.

صب وقود على ألسنة اللهب

وبخلاف تعليقات وزير الخارجية المصري، فإن اكتشاف حادث التهريب الثاني لم يصدر حوله أي بيانات رسمية من الليبيين أو الأتراك، ولكن انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي الليبية موجة غاضبة من المشاعر المعادية لتركيا.

ومما أدى إلى انتشار الغضب وصب الوقود على ألسنة اللهب وجعل المشاعر العدائية ضد تركيا تنتشر كالنار في الهشيم، هو أنه في اليوم السابق على ضبط جريمة تهريب ميناء مصراتة، أن مصدرا أمنيا صرح بأنه كانت هناك محاولة لقتل ضابط الجمارك المكلف بالتحقيق في حادث تهريب ميناء الخمس. وعلى الرغم من أن المصدر قال إن السلطات تنظر إلى الحادث بعقل متفتح، إلا أنه أعرب عن اعتقاده بأن هناك من لا يريد الكشف عن واقعة التهريب.

كراهية متزايدة لأنقرة

ويرى المراقبون أنه حتى من قبل تلك المحاولات، فإن العداء لتركيا آخذ في الازدياد، فقد زعم القائم بأعمال رئيس بلدية درنة، والذي كانت تديره الدولة الإسلامية على مدى 4 سنوات، ثم تولى إدارته الإسلاميون المحليون المتعاطفون مع تنظيم القاعدة، ولم يتم بعد إخلاؤه بالكامل منهم، أن التحقيقات أظهرت، بعد اعتقال 4 متشددين، أن تركيا وقطر زودتاهم بالأسلحة والمعدات.

وتتغذى مشاعر العداء أيضا ضد تركيا، وكذلك قطر، بسبب أن كلتيهما أصبحت ملاذاً للعديد من المتطرفين الليبيين. ومن أبرز هذه الشخصيات عبد الحكيم بلحاج، رئيس حزب الوطن الليبي وصاحب محطة تلفزيون النبأ المؤيدة للإرهابيين، والتي تعمل خارج تركيا.

اتهامات متعددة لبلحاج

أسس بلحاج المجموعة الإسلامية المقاتلة الليبية في تسعينات القرن الماضي، وكانت حليفاً في أفغانستان لأسامة بن لادن ولحركة طالبان، وبعد الثورة الليبية 2011 مباشرة، أصبح رئيسا لمجلس طرابلس العسكري حتى عام 2012.
حصل هو وزوجته على اعتذار غير مسبوق في البرلمان البريطاني العام الماضي من رئيسة الوزراء تيريزا ماي لتورط المخابرات البريطانية في نقلهما، من خلال وكالة المخابرات المركزية، إلى ليبيا وما أعقب ذلك من سجنهما وتعذيبهما على يد نظام القذافي. ودفعت حكومة المملكة المتحدة 500,000 جنيه إسترليني على سبيل التعويض.

وعلى الرغم من الاعتذار البريطاني، مازالت تلاحق بلحاج اتهامات مستمرة في ليبيا بارتباطه بصلات مع الحركات الإسلامية، مثل أنصار الشريعة التونسية السلفية، وهي فرع القاعدة في تونس، وجماعة الإخوان المسلمين.

ومن بين الاتهامات الموجهة إلى بلحاج تورطه مع حركة أنصار الشريعة، وهي فرع القاعدة، في قتل اثنين من السياسيين اليساريين التونسيين في عام 2013، ولكنه نفى الاتهامات.

ولكن في بداية يناير وفي خطوة مفاجئة، أصدر رئيس التحقيقات في مكتب النائب العام الليبي مذكرة توقيف بحق بلحاج و5 ليبيين آخرين و31 مقاتلاً من تشاد والسودان بتهم متعلقة بأمن الدولة.

وفي الأصل كان يُعتقد أن بلحاج كان متهما بالتورط في هجمات على حقول النفط الليبي، وكذلك الهجوم على قاعدة تمنهنت الجوية بالقرب من سبها، وغيرها من الحوادث التي لم تذكر تفصيلا في جنوب ليبيا.

ولكن تم الكشف لاحقا عن أن الاتهام في قضية بلحاج كان يتمثل في ضلوعه في خلية ليبية تابعة لحركة حماس الفلسطينية. ويزعم أنه ساعد في توفير الأسلحة والمعدات الأخرى لغزة وللمسلحين في سيناء المصرية.

تورط شخصيات ليبية مع حماس

ويستند هذا الاتهام، والعديد من الاتهامات الأخرى، إلى ضبط ملفات على جهاز الكمبيوتر الخاص برئيس خلية حماس، والذي ألقي القبض عليه في مطلع 2018، واحتجز بسجن في القاعدة الجوية في طرابلس. وتزعم الأنباء أن الملفات تحتوي على تفاصيل اجتماعات وتسجيلات صوتية ومراسلات ومقاطع فيديو، فضلا عن تفاصيل تحويلات ومدفوعات مالية تُظهر، على ما يبدو، أن بلحاج تورط عن كثب في تزويد حماس وحلفائها بالأسلحة.

كما يشاع أن هناك مقاطع فيديو لقيام عناصر من حماس بتدريب مقاتلين ليبيين، وتفاصيل عن التواطؤ مع قيادات في مجالس الشورى الثورية في بنغازي ودرنة. وتزعم التسريبات أن ملفات الكمبيوتر كشفت النقاب أيضا عن أدلة تثبت تورط شخصيات سياسية ليبية أخرى مع حركة حماس في ليبيا. ونفى بلحاج هذه المزاعم ووصفها بأنها مؤامرة، مهددا باتخاذ إجراء قانوني.

ولكن من غير المتوقع أن يؤدي إنكاره ونفيه للاتهامات إلى إخماد حالة عدم الثقة في شخصه الذي لا يتمتع بشعبية حتى في طرابلس.

سجل كامل من الجرائم التركية

ومن غير المرجح أيضا أن تهدأ حالة عدم الثقة في تركيا، وذلك بسبب تحالفها الواضح مع الحركات الإسلامية العابرة للحدود، وتورطها في دعم المقاتلين الليبيين، وحقيقة أن الكثيرين يستخدمون تركيا كقاعدة، فضلا عن الاتهامات الأخيرة بتهريب السلاح، وتأتي في مقدمة النظرة السلبية العامة إلى ما يشاع بأن أنقرة تنظر إلى ليبيا باعتبارها مقاطعة عثمانية جديدة.