''دخان الفاتيكان أم هلال رمضان؟''

عبدالحكيم بلبطي

نشر في: آخر تحديث:

حياتنا محطات، توزعت على ''صالات ''الانتظار. انتظار تغيير.. توقع إصلاح.. ترقب الأمل.


بعد أسبوع، سيطفئ خطاب الرئيس بوتفليقة عامه الثاني، خطاب وعد فيه الشعب بالكثير.. وعد بتحسين الجو السياسي (كلف لجنة ''بن صالح'' بتسيير المشاورات السياسية). وعد بوثبة في إدارة الحكم (فتخلى جزئيا عن نظريات الوزير زرهوني في تنظيم الانتخابات ونتائجها). وعد بتعديل دستوري، يُحضّر في سرية. وعد بانفتاح إعلامي (فجاءت مسودة السمعي ـ البصري على شكلها المطابق لمواصفات ثقافة السلطة المحتكرة لهواء التنفس).


أصبحنا مثل حجاج الفاتيكان، حين يصطفون متراصين، منتظرين صعود ''الدخان الأبيض'' الذي يعلن عن حسم اختيار البابا الجديد.. فنحن في ترقب دائم لهلال الموسم الجديد، وما يحمله معه من وعود الرئيس..


هل ''قتلنا الطمع''؟ ربما..


وربما من الضروري إعادة ترتيب الأفكار، فمطالب الإصلاحات والانتقال إلى مصف دولة القانون، تتطلب توفر مجموعة من الشروط، أهمها أن يكون القائمون على الأمر مؤمنون بهذا المبدأ، ويسعون إلى هذا الهدف. فإنجاز مشروع تكنولوجيا الجيل الثالث، يتطلب وضع شبكة من الألياف البصرية. فالعلاقة واضحة بين نوع الشبكة وبين طبيعة التكنولوجيا، هي علاقة ترابط. ونحن عندما نطالب الحكم بإصلاح شكل النظام، نقفز على حقيقة أن طبيعة الإصلاحات تتطلب نوعية تكون متوفرة في القائمين عليها، أولها أن تتطابق أفكارهم ومبادئهم مع المطالب.
واستمرار الحكم بالقبضة الحديدية، يكشف الجانب الضعيف لمنظومة الحكم. وعندما نجد بأن القبضة متحكمة في كل جوانب الحياة، نستطيع قياس حجم هذا الضعف. وليس غريبا أن تظل الجزائر في ذيل ترتيب الدول، من حيث مساحات ممارسة الحريات، أو من ناحية نوعية التعليم، أو مستوى البحث، ونوعية الغطاء الصحي، ولا من ناحية حجم النمو خارج اقتصاد المحروقات، أو من حيث درجة نقاء وصفاء جو الاستثمار، أو من جهة مستوى الشفافية، وتجانس المنظومة القانونية التي تعاني من مرض اسمه ''الفراغ القانوني''، وهو نوع من الاحتيال القانوني يشكل، اليوم، أحد أسباب التشجيع على الفساد.


عندما تأتي الحكومة بمشروع قانون ينظم السمعي ـ البصري، فهي تأتي به وفق زاوية نظرتها لمحتوى الانفتاح. وما على الجميع إلا انتظار نضج رؤيتها، لتستفيق بعد خمسين سنة أخرى، وتعي بأن المجتمع في حركية، وأنه غير جامد..


ويمكن الحديث عن أي مشروع قانون آخر، حيث تأتي التعديلات متأخرة عن المطالب بجيل، وأحيانا بعمر جيلين. ويحدث ذلك مع التعديلات المتكرّرة على الدستور، حيث يتم في العادة اللجوء إلى سلاح المناورة لكسب الوقت (هو في الحقيقة تبذير له، بما أنها لم تحلّ، بعد كل هذه التجارب، مسألة ترك الدستور يستريح من تلاعب الأيدي به). وتنطلق المناورات من فكرة أو كذبة إدخال أفكار جديدة. ويتم، هذه المرة، الترويج لفكرة نائب الرئيس، أو توسيع صلاحيات الوزير الأول ليقوم بأعمال رئيس مجلس الوزراء. وهو مسعى يهدف إلى إغراق النقاش في أشياء هي مهمة من حيث انعكاساتها، وما تجسده من أزمة نظام، لكنها ليست هي الأهم. فالمقصود بهذا النقاش ـ الجدل هو تحويل الاهتمام إلى الأطراف، بتشتيت التركيز، بدلا من تناول وظائف قلب الدولة.


فمحطة اليوم لا تختلف عن محطة أمس.. قاعة انتظار، تتزين بديكور من مال النفط، على بابها حاجب، وعلى جدرانها ساعة مثبتة بمسمار، هي كل ما يربطنا بالحاضر.. ساعة تعطينا الوقت العالمي، وتاريخه.. في انتظار القطار.

*نقلاً عن صحيفة "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.