العهدة الرابعة

العربي زواق

نشر في: آخر تحديث:

لنعد إلى السنوات الأولى من حكم بوتفليقة... إلى الأيام التي كان فيها ملء العيون والآذان والأجفان... في تلك الأيام حدث وأن ألقى أكثـر من أربعة خطابات في اليوم الواحد، وزار معظم إن لم نقل كل ولايات القطر، بل وزار بعض الولايات أكثـر من أربع مرات في السنة الواحدة، وبالرغم من عدم توفري على الإحصاءات، يمكنني الجزم بأنه لم يحدث أن زار رئيس من رؤساء الجزائر السابقين ولن يزور رؤساء الجزائر اللاحقون ولايات الجمهورية بعدد زيارات بوتفليقة لها، وخلال زياراته هذه كان يتجول على المحطات المبرمجة بحركية أرهقت مرافقيه ممن هم أصغر منه سنا... نعم كان مرافقوه من المسؤولين الشباب يعترفون بأنهم لم يكونوا قادرين على مسايرة خرجاته الميدانية، مستغربين ومتسائلين عن سر الطاقة التي يكتنزها... أما زياراته إلى خارج الجزائر، فلن أكون مبالغا إذا ما قلت بأنها فاقت في عددها زيارات كل الرؤساء الذين سبقوه في حكم الجزائر لخارج البلاد، وبطبيعة الحال لم يحدث أن زار بوتفليقة بلدا ولم يلق فيه خطابا وفي أحيان كثيرة خطابات، وكان يُجري بموازاة هذا محادثات مطولة وطويلة في كل محطة من محطات زياراته هاته... كل نشاطاته وسلوكاته خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه أو لنقل قبل مرضه عام ألفين وخمسة، تؤكد حقيقة واحدة وهي أننا كنا أمام رجل مستعد للقيام بكل شيء بما فيها الأعمال والأنشطة التي يفترض أن يقوم بها رجل آخر من مساعديه، وبطبيعة الحال لم يكن الدافع هنا صحته الجيدة وطاقته وقدراته غير المحدودة، وإنما لعدم ثقته في بقية المسؤولين كما يقول الذين يعرفون نفسيته، والنتيجة التي ترتبت عن هذه السياسة أو عن هذا السلوك، أن أصبحت السلطة كلها مجسدة في شخصه، ولم يعد بإمكان الجزائريين أن يتصوروا قيام رؤساء حكومات تلك الأيام من بن بيتور إلى بن فليس إلى أويحيى، بزيارات للولايات وتدشينهم لمشاريع مثل ما يقوم به اليوم الوزير الأول عبد المالك سلال... لو كان بوتفليقة قادرا على الحركة والنشاط لما سمح لسلال بأن يقوم بما يقوم به هذه الأيام، ولما سمح لعبد القادر بن صالح أو لغير بن صالح بتمثيله في نشاطات خارجية هي من صلب نشاطات رئيس الجمهورية... هذه هي نفسية عبد العزيز بوتفليقة وهذه نظرته للأمور، وهي نظرة خاطئة بل وخطيرة على البلد، لأننا في عصر لم يعد فيه بإمكان أي شخص مهما كان فذا وعبقريا، أن يختزل بلدا كاملا في شخصه حتى ولو كان هذا البلد أصغر من الجزائر بعشرات المرات... ما يمكن استنتاجه مما سبق أن الرجل لم يعد قادرا على القيام بمهامه، لا بالمستوى الذي عرف به خلال بدايات حكمه، وإنما لم يعد قادرا حتى على الإشراف على اجتماعات مجلس الوزراء التي هي ''اجتماعات دستورية''، كما أن الرجل لم يعد قادرا على الإشراف على لقاءات بروتوكولية مثل افتتاح السنة الجامعية أو القضائية كما جرت العادة، فهل يعقل والحال هذه أن يتحدث أي كان عن عهدة رابعة؟

من الطبيعي أن ندعو للرئيس بالشفاء والصحة والعافية وطول العمر، لكن أن نتحدث عن عهدة رابعة والوضع على ما هو عليه، فهذه دعوة للقضاء على ما تبقى من مقومات الدولة... كان بوتفليقة في بداية حكمه يضرب الطاولة المنصوبة أمامه فتتطاير الأوراق الموضوعة فوقها في السماء، واليوم يجد صعوبة في قلب الأوراق أثناء إلقائه لخطاب من خطاباته، فهل يعقل أن يرشح رجل لحكم دولة بحجم الجزائر وهو يجد صعوبة في تحريك ورقة؟

*نقلا عن صحيفة "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.