الخامس أكتوبر... ربيع من؟

العربي زواق

نشر في: آخر تحديث:

لا أذكر وجها سياسيا واحدا من الطبقة الحاكمة الجزائرية ذكر أحداث الخامس أكتوبر من عام ثمانية وثمانين بخير، وكل ما تختزنه ذاكرتي من مواقف مسؤولي تلك الأيام، وهم تقريبا مسؤولو هذه الأيام، أنهم اعتبروا تلك الانتفاضة مؤامرة ضد الجزائر وضد ثورتها.

هذه الأيام وخوفا من انتقال عدوى الربيع العربي إلى الجزائر، يقول نفس المسؤولين وبتباه لا حدود له، إن الجزائر عاشت ربيعها عام ثمانية وثمانين، وبالتالي فالجزائر ليست تونس ولا ليبيا ولا مصر ولا اليمن ولن تكون سوريا، فما الذي تغيَّر حتى يتحوّل ما كان في نظر هؤلاء مؤامرة إلى ربيع، مع الإشارة هنا إلى أن مسؤولينا يصفون الانفجارات التي هزت وتهز العديد من البلدان العربية في السنوات والأشهر الأخيرة، والتي أطلق عليها المرحبون بها صفة الربيع العربي، يصفونها بالمؤامرة الغربية ضد الأمة العربية وبلدانها، أي أن موقفهم من أحداث أكتوبر بالأمس هو نفس موقفهم من أحداث الربيع العربي اليوم.

يحاول الذين يرغبون في إفراغ أحداث أكتوبر من أي محتوى لها، التحجج بالقول إن المتظاهرين يومها لم يرفعوا شعارا سياسيا واحدا، وبالتالي فإن ما حدث مجرد أحداث شغب، لكن ألا يعني تركيز المنتفضين على حرق مقار الحزب الحاكم وأسواق الفلاح والأروقة الجزائرية، تعبيرا صارخا عن رفض هذا المواطن سياسة الحزب الحاكم في شقيها السياسي والاقتصادي ومن ثمة لشقها الاجتماعي.

المؤكد أن انفجار أكتوبر لم يكن ثورة بالمفاهيم المعروفة، وإنما كان انفجارا اجتماعيا نتج عن إفلاس السياسة التي كانت منتهجة آنذاك، والتي أصبح المواطن في ظلها يجد صعوبة بالغة في الحصول على كيلوغرام واحد من مادة القهوة، أما فوزه بجهاز تلفزيون أو ثلاجة فيعتبر مستحيلا إذا لم تكن له معارف وعلاقات قوية ووثيقة بأمين محافظة الحزب وإطاراته، وأمام وضع كهذا لا يمكن أن يوصف من ينفجر مطالبا بحقه في الاحتجاج للحصول على تلفاز أو ثلاجة أو منصب عمل وحياة كريمة متآمرا على بلده.

في أعقاب أحداث أكتوبر مباشرة، أبْعَدَ الراحل الشاذلي بن جديد كل رموز الحزب والسلطة الحاكمة آنذاك من الواجهة، وكان في مقدمة هؤلاء الوجه الحزبي الراحل محمد الشريف مساعدية الذي كان يوصف يومها بالرجل الثاني في الدولة، والرجل القوي الراحل العربي بلخير الذي يقال بأنه صانع كل شيء بما في ذلك الرؤساء، لكن مع الأيام وبعد أن خفَّت العاصفة عاد الرجلان ومعهما عشرات الوجوه الأخرى إلى نفس مواقع المسؤولية وكأن شيئا لم يكن، وهو ما يعني بالعربي الفصيح أننا عدنا إلى نقطة الصفر.

أخيرا... إن أحداث أكتوبر هي ربيع كل الجزائريين المتضررين من السياسة التي كانت ولا زالت منتهجة، ومن كل السياسيين الذين كانوا متسلطين على رقابنا وما زالوا، لكنها ليست ربيع السلطة التي كانت تحكم بالأمس، وهي تحكم اليوم كذلك.

* نقلا عن "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.