دستور تونس الجديد.. انتصار القوى الحرة

هادي يحمد

نشر في: آخر تحديث:

دستور تونس الجديد الذي انهى نواب المجلس الوطني التأسيسي صياغته بعد أكثر من سنتين من التجاذبات والمشاحنات والجدل يمثل بلا شك خطوة مهمة نحو تركيز الدولة المدنية الديمقراطية في بلادنا.

لم يفلح التيار المحافظ في أن يفرض تأويلاته الدينية الأحادية وتركيز أوتادها وإكراهاتها في الدستور. كما لم ينجح دعاة الكراهية والتكفير في أن يمنعوا مرور البند السادس والذي حرمهم من الارتزاق والتمعش على المنابر بتكفير الناس والتحريض عليهم وقتلهم.

حرية الضمير وتحييد المساجد ورعاية الدولة ـ وحدها ـ للدين (كل الأديان) وحمايتها للمقدسات (كل المقدسات الدينية، اسلامية ومسيحية ويهودية وغيرها) في تونس يجعل من البند السادس بمثابة الثورة الدستورية في المنطقة العربية برمتها على منطق الوصاية والتقليد.

البند السادس كان لطمة قوية لدعاة الكراهية الدينية والرأي الواحد وهو بشكل من اشكال عربون وفاء لأرواح شهداء الثورة وللشهداء الذين سقطوا نتيجة التكفير والتحريض الديني وعلى رأسهم الشهيد شكري بلعيد الذي قتل غيلة بالرصاص بعد أن كفر وازهقت نفسه على منابر بعض المساجد وعلى صفحات المتطرفين دينيا.

الدستور في مجمله يعبر عن حالة توافق حقيقية بين الاطراف السياسية وهو يعبر خاصة عن قبول حركة النهضة ذات المرجعية الاسلامية ـ أو لجزء منها على الاقل ـ بالدولة المدنية والحريات العامة والخاصة.

ربما ستدفع الحركة في مستقبل الايام ثمن موقفها الجريء هزات داخلية بدأت ملامحها داخل كتلتها البرلمانية مؤخرا بالنظر الى قبولها بتنازلات سياسية وفكرية وصفت بالعسيرة لقاعدتها المحافظة الحالمة باقامة الدولة الدينية.

ستعاني النهضة ولمدة قد تطول من احتجاجات بعض مشايخها المحافظين الذين سينتهي بهم الامر، ربما، للخروج منها بعد انتصار التيار الاكثر انفتاحا داخلها وتلك قصة اخرى.

رغم بعض الثغرات فان الدستور التونسي الجديد يمكن ان يقدم كمثال جيد في المنطقة العربية كنص مدافع عن الحريات العامة والخاصة، ومتناسقا بقدر كبير مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في مسائل المساواة بين النساء والرجال وضامن لحرية التفكير والاعتقاد والضمير.

يمكننا ان نفخر كتونسيين اننا نقدم دستورا ضامنا لاستقلالية القضاء وحرية الاعلام ومؤسسا لحياة مدنية يكون فيه القانون معيارا و وسيلة للعيش المشترك بناء على مبدإ المواطنة ولا شيء غير المواطنة.

* نقلا عن صحيفة "حقائق" التونسية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.