الذاكرة السورية

عبدالله إسكندر

عبدالله إسكندر

نشر في: آخر تحديث:
لكل الحروب حصتها من الفوضى والتدمير والنهب. لا بل يستغل تجار الحروب هذه الحال من أجل الثراء السريع. وعندما تضعف سلطة الدولة وأجهزة الحماية تفتح الموجودات الثمينة كل الشهيات للسرقة والتخريب، خصوصاً عندما تتعلق هذه الموجودات بآثار ذات قيمة تاريخية مرتفعة.

هذا ما شهدته بلدان كثيرة في العالم القديم الذي يذخر بمثل هذه الموجودات. ونادراً ما شذ بلد عن هذه القاعدة خلال الحروب. وكان السارق دائماً إما قوة محتلة وإما تاجراً خسيساً. هذا ما فعله الالمان لدى احتلالهم اوروبا مثلاً خلال الحرب العالمية الثانية، او ما فعله المهربون في مصر. كما شهدنا في العراق، مع الاحتلال الاميركي وانهيار النظام السابق، حملة نهب للكنوز في المتاحف والمواقع الاثرية، قامت بها عصابات دولية منظمة عبر عملاء محليين وبعض جنود الاحتلال.

وتنتشر اليوم في سورية التي تشهد صراعاً داخلياً دموياً عنيفاً ظاهرة استهداف المواقع الاثرية والمتاحف. واذا كان بعض الدمار الذي يلحق بها قد يعود الى طبيعة المواجهة المسلحة والانتشار العسكري لطرفي القتال، واذا كان بعض السرقات من فعل العصابات المتخصصة في سرقة الآثار، فإن كثيراً من الدمار كان بفعل القوات النظامية من دون ان تكون هناك مبررات عسكرية لاستهداف هذه المواقع بالمدفعية والطيران والقنابل الحارقة.

وهذا ما يميّز استهداف الآثار والمواقع الاثرية في سورية. اذ ان هذا الاستهداف يأتي من جانب القوات النظامية، كما تؤكد كل الشهادات الميدانية، على نحو منهجي وعلى امتداد المناطق المشتعلة من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب، خصوصاً في العاصمة السياسية دمشق والعاصمة الاقتصادية حلب. وهذا يجعل الاستهداف يخرج عن نطاق ضرورات العمل العسكري وعن نطاق العصابات المتخصصة، ليتحول استهدافاً سياسياً وجزءاً من المواجهة الكبرى بين النظام وشعبه.

معلوم ان سورية شهدت توالي حضارات متعددة، من العصور القديمة مروراً بالبيزنطية والاسلامية. وتركت هذه الحضارات اثرها على امتداد البلاد، وتشكل المعالم الباقية منها شاهداً على التاريخ الحضاري العريق لسورية، بما فيه من تعايش مديد بين اقوام من جذور مختلفة. ومن هذا التاريخ العريق تشكلت الشخصية السورية المتسامحة والمتمسكة بالتعدد. وتشكل المعالم الحضارية زاداً أكيداً لهذه الشخصية التي تنتفض اليوم احتجاجاً على الطغيان.

في الرواية الرسمية السورية، يبدأ التاريخ مع تولي البعث الحكم، خصوصاً مع «الحركة التصحيحية» وتولي الرئيس الراحل حافظ الاسد السلطة. وهذا ما يلخصه شعار «قائدنا الى الابد». اذ يجبّ هذا الشعار ما قبله وما بعده، بما في ذلك الذاكرة التاريخية التي تتشكل من معالم الحضارات الكثيرة التي توالت في البلاد.

بكلام آخر، تتميز هذه الرواية بأحادية تقتصر على حكم البعث، وتتعارض مع كل ما يشير الى الغنى والتعدد والى الشخصية السورية المتسامحة التي تصبو الى حكم سياسي يعكس هذه الصفات. ويأتي تدمير الجوامع والكنائس، مع ما تحتويه من نفائس وذاكرة، وتدمير الاسواق والابنية التاريخية المصنفة في التراث العالمي، كانتقام رمزي وفعلي من هذه الشخصية التي تعبّر عنها الثورة الحالية، ولإلغاء الجذور التي تغذت منها، ودفعها الى اعتماد الرواية الرسمية للتاريخ، كما يجري العمل على فرض الرؤية السياسية الحالية للحل: «الاسد او لا أحد». وكأن رسالة التدمير تتضمن ما يفيد بأن الحكم ماض في طريق قتل السوريين وتدمير ذاكرتهم الوطنية، من أجل فرض حلوله.


*نقلاً عن "الحياة" اللندنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.