أنا من تراب

حمدي رزق

حمدي رزق

نشر في: آخر تحديث:
تراب فى حلقى، تراب فى أنفى، تراب فى عينىّ، تراب بطعم التراب، منذ متى وأنا أتوسد التراب، لا يفارقنى ملمس التراب، لا يغادرنى طعم التراب، يغطينى التراب، خصلات شعرى الثلجية البيضاء صارت فى لون التراب، بشرتى القمحية صارت فى لون التراب، تراب.. تراب.. تراب.

هل جربتم طعم التراب؟، هل جربتم ملمس التراب؟، تتوسدون التراب، تتمرغون فى التراب، تغمضون أعينكم على ذرات من تراب، تحشون بطونكم بالتراب، تقفون على تراب، تتمطعون صباحاً فتنفضون تراباً، تغتسلون فجراً بالتراب من التراب، طعامكم من تراب، شرابكم من تراب، ماضيكم من تراب، حاضركم من تراب، مستقبلكم لا يبين من كثافة التراب، عواصف ترابية تهب على الوطن تعمى الأبصار والقلوب، العمى مش كف نظر، التراب يعمى القلوب.

مال هذا التراب لا يغادرنا!، أكُتِب علينا التراب؟، ما لهذا الوطن صار مترباً؟، لا يبين وجهه المغسول، صار كل شىء فيك يا وطن مترباً، إنهم يلقون بالتراب على كل ألق، يخفون فى التراب كل موهبة، يسدون بالتراب الأبواب فى وجه بصيص أمل، يبنون سدوداً ترابية تحجب النور عن شباب خضر غطاهم التراب، فصاروا شيوخاً، يخرجون من تحت التراب ليجدوا سداً من تراب، عبروه فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣ وعاودوا العبور فى ٢٥ يناير٢٠١١، التراب صار بحراً بعد أن كان سداً، السد يرتقى، والبحر غريق، هل جربتم الغرق فى التراب؟ بحر الوطن غريق، والرايات سوداء.

أمصر تتدثر بغلالة من تراب؟، وهناك سفهاء يلهون بالتراب، يلقونه فى الوجوه النضرة، يعمون الأبصار، زيغ بصر ما نراه من خلال التراب، تتكاثف الذرات الترابية، تصير حجباً تحجب الحقيقة، التراب يسد مسام الوطن، وطن لا يتنفس، من أين لهم كل هذا التراب يهيلونه على جذوة الثورة المشتعلة فى الصدور؟، يريدون أن يطفئوا نور الوطن، يملأون راحاتهم بالتراب، يلقونه فى وجه الوطن الصبوح، يعمونه بالتراب حتى لا يرى أبناءه المخلصين الذين لا يحملون فى كفوفهم إلا نوراً، «ياللى سريرك من فضة.. النور فى كفك يتوضا».

رحمها الله أمى لم تعرف سوى تراب «المحْمَة»، رماد الفرن، كانت تداوى به جروحاً، وتجلى به أوانى طعامها، تطهرها، أبداً لم تستخدم التراب فى عمى العيون المبصرة، كانت أمى مبصرة بما يحيق بنا من تراب، كانت ترى تراباً آتياً لا ريب فيه، كانت تخشى علىَّ من تراب السكك وكلاب السكك، وكلاب السكك لا تتمرغ إلا فى تراب السكك، سكة الوطن مسدودة بالتراب، سكة الوطن تقطعها كلاب عُقر تعض فى التراب، بئس التراب الذى تثيره كلاب السكك.

التراب الذى يغشى فجر الوطن، يمنع النور أن يفج من العتمة، يمنع شعاع الأمل من أن يكسو الغيطان لاجل الزرع ما يخضر، التراب يخبئ الشمس فى غلالة من سواد، يحتار عباد الشمس، إلى أين نولى الوجوه، أينما تولوا وجوهكم يغرقكم التراب، ولو كنتم فى سيارات مكيفة.

*نقلا عن "المصري اليوم"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.