خطاب الإطلالة

نجم عبدالكريم

نشر في: آخر تحديث:
من الأعراف التي اكتسبت طابع العادة أو التقليد عند الحكام والرعية منذ أقدم العصور والأزمان.. هو إدلاء الحاكم بما يُعرف "بخطاب الإطلالة على الأمة"، وفيه يعكس الحاكم برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبكلمة أدق الشعارات المرحلية والاستراتيجية لفترة حكمه اللاحقة.

وهذه الشعارات قد تطورت بتطور المجتمعات البشرية، ففي القديم حين كان الحكام يطلقون الشعارات.. كانوا يتبنون تطبيقها فعلاً لا قولاً.. وكانوا صادقين ومخلصين على تنفيذ وعودهم للأمة، لا لمجرد الاستهلاك المحلي أو لمجرد كسب عواطف الناس وامتصاص نقمتهم وتثبيت تأييدهم لترسيخ مواقعهم في الحكم، وإنما لتحقيق ما كانوا يؤمنون به من مُثلٍ أخلاقيةٍ وسلوكيةٍ رفيعة تجاه رعيتهم وتجاه أُمتهم.

ولكن.. ومع الأسف الشديد، فإن تعاقب المراحل التاريخية التي مرت بها المجتمعات المختلفة، ومن بينها مجتمعاتنا العربية، قد غيرت نسق العلاقة بين الحاكم والرعية، ففي الوقت الذي أصبحت فيه الشعارات عبارة عن جُمل طنانة يتبادلها الحكام أو يتوارثونها واحداً من الآخر، فإن الشعوب أو الأمم أصبحت لا تثق بهؤلاء الحكام الذين ملأوا المسرح السياسي وملأوا الدنيا خُطباً وشعارات أصبحت بمثابة اللعنة على الشعب، وبمثابة الجمل والعبارات الفارغة المكررة التي لا تبعث على الحماس والأمل والتعاطف، ولا تجد من يصدقها من أبناء الأمة.

فكل زعيم عربي يصل إلى دفة الحكم بواسطة الدبابة أو بواسطة الانتخابات الصورية أو المزورة أو بواسطة الوراثة يقوم أول ما يقوم به هو توجيه خطاب الإطلالة للأمة.. بحيث يتحول هذا الخطاب إلى شعارات مزدحمة وواعدة، لأنها تُشكل جزءا من أحاسيس الناس، وجزءا من مطالبهم العامة التي يتقمصها الحاكم ويضعها في خطابه.

غير أن أبناء الأمة يعرفون أنها مجرد خطابات استهلاكية ومجرد وعودٍ قرقوشية، لا يلبث أن ينقضها الحاكم حال انتهاء خطاب الإطلالة.. هذا الإحساس قد لازم كل من استمع الى محمد مرسي رغم أنه لم يأتِ على دبابة، وإنما جاء على أكتاف ثورة شبابية لم يكن هو من صُناعها.

نقول هذا الكلام، لأن بعض الحكام يستغلون بعض المناسبات الوطنية ليطلقوا بخطابات على الأمة يكرسون فيها تلك العصور السابقة، ولكن الغريب حقاً أن يظهر قاتل الديموقراطية ويتحدث عن الممارسة الديموقراطية، وهادم الاقتصاد ويتحدث عن ازدهار الاقتصاد، بل ومكبل الشعب بكل وسائل الإرهاب ليتحدث عن الحرية، وهذا ما كان يفعله مبارك، ومن قبله السادات، وغيرهما من حُكام عرب آخرين.

والذي نخشاه حقاً أن لا يكون المرض قد استشرى لدى البعض ممن تعودوا على عدم تصديق مثل هذه الأكاذيب.. نخشى أن يصدقوها من كثرة تكرارها من بعد أن صدقها الحاكم نفسه، لأنه هو الذي وضع شعار أكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الآخرون.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.