أبعد من أزمة الحكومة في لبنان

سليمان تقي الدين

سليمان تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:
أعلن فريق 14 آذار مقاطعة الحكومة اللبنانية وكل نشاط يمكن أن يجري بالتعاون معها، لاسيّما جلسات مجلس النواب واللجان وأعمال التشريع . تتحول الحكومة في هذه الحال إلى هيئة إدارة للأزمة عاجزة عن المبادرة في كل عمل من شأنه أن يحتاج إلى إقرار قانون أو إقرار موازنة أو إعداد قانون انتخاب . إلى ذلك هناك المعنى السياسي حيث رفع الغطاء الشرعي عن الحكومة من قوى تمثيلية على الصعيد الطائفي .

قد يكون سقف المطالب التي رفعها هذا الفريق مرتفعاً إلى الحد الأدنى لا تستطيع أية حكومة تلبيته في لبنان، كتنفيذ مذكرات جلب المتهمين بالمساهمة في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق لدى المحكمة الدولية، أو نشر قوات الطوارئ على الحدود اللبنانية السورية، أو قطع العلاقات مع أو نزع سلاح “حزب الله”وما إلى ذلك . بل إن فرقاء من هذا التكتل أعلنوا عدم استعدادهم للجلوس معاً في حكومة واحدة مع من اتهمهم بأعمال الاغتيال والقتل والتفجير . هذا المستوى من القطيعة وما عبّر عنه البعض بشعار “الطلاق حتى إحقاق العدالة”يعني تكراراً لتجارب العزل السياسي لفريق أساسي في المعادلة اللبنانية ويقود بالضرورة إلى تمهيد الأجواء لصدام واسع لا ينتهي إلا بتسوية كبيرة قد تحتاج إلى مؤتمر ترعاه قوى إقليمية ودولية . إن هذا التصعيد يضع البلاد في حال من التأزم السياسي والاقتصادي ويخلق أجواء مؤاتية لكل عمل أمني يهدف إلى تغيير هذه المعادلة .

وربما لأن تفاعلات هذه الأزمة بلغت المراجع الدولية التي أدركت خطورتها كانت الزيارة المفاجئة والسريعة للرئيس الفرنسي إلى لبنان وإلى المملكة العربية السعودية . ومن الواضح أن الغرب قد أعلن رغبته في بقاء لبنان خارج دائرة الفوضى السورية، وأنه لا يريد فتح ملفات جديدة من الأزمات في ظل عدم القدرة على معالجتها، لا سيّما حين تتحول إلى نزاعات أهلية عنيفة .

لكن هذه المساعي على أهميتها للتهدئة لن تكون ناجحة ما لم يحصل تعاون إقليمي ودولي واسع لإيجاد مخارج لإعادة تكوين السلطة في لبنان، أولاً من خلال الحكومة، وثانياً من خلال إيجاد حلول لقانون الانتخاب . لبنان على مسافة بضعة أشهر من استحقاق إجراء انتخابات نيابية ولن يرضى أي من الفريقين إجراءها على قانون يؤدي إلى خسارته وفوز الفريق الآخر .

هذه الأزمة توقَّف السعي الداخلي لحلها عبر طاولة الحوار التي دعا إليها رئيس الجمهورية بعد المقاطعة .

من الواضح أن الحكومة اجتازت مرحلة إسقاطها في الشارع نتيجة حصول توتر سياسي وأمني واتهامات بمشاركتها في المسؤولية عن القتل . لكن بقاء الحكومة إلى الانتخابات لم يعد أمراً مضموناً أو حتى ممكناً نتيجة ارتفاع صوت المعارضة ومحاولات شل الحكومة عن العمل في أمور أساسية من بينها معالجة الشؤون الإجتماعية الضاغطة، ومن بينها إقرار سلسلة الرتب والرواتب للمعلمين والموظفين المدنيين والعسكريين . فإذا كان فريق 8 آذار متمسكاً بهذه الحكومة إلاّ أن الفريق “الوسطي”الذي يعطيها الأكثرية النيابية لا يمكنه التمسك بالحكومة حين تصبح قليلة الجدوى والفاعلية، كما تصبح عنصراً جديداً لأزمة وطنية تتصل بالتوازن الطائفي .

ولعله من المتعذر الآن تأليف حكومة وحدة وطنية بتوازناتها المعقدة، كما من المتعذر صياغة بيانها الوزاري، فالاحتمالات تذهب باتجاه حكومة انتقالية محايدة تشرف على الانتخابات إذا أمكن، والا تتحول إلى أزمة شرعية وطنية بتعطيل الانتخابات وما يليها لانتخاب رئيس جمهورية .

هذا الوضع المحتقن ليس من السهل الخروج منه، لاسيّما أن الأطراف الإقليميين المعنيين في حالة قطيعة شبه كاملة عن التواصل في ما بينهم . فهل يسعى الفرنسيون بالتنسيق مع الولايات المتحدة إلى حث المملكة العربية السعودية على الحوار مع إيران من أجل تحييد لبنان، أم أن الترابط بين الأزمة السورية ولبنان صار أقوى من أن يتم تحييده عنها؟ قد تتضح هذه الصورة حين يتم إنجاز الانتخابات الأمريكية ويبدأ التواصل الروسي - الأمريكي مجدداً رغم عدم التفاؤل بتجزئة الملفات وفصلها بعضها عن بعض . ويبدو على الأقل أن الأزمة السورية تراوح مكانها في العجز عن إحداث تغيير كبير في التوازنات أو في إنضاج ظروف التسوية . ففي الحالين لم تنجح الجهود بعد إلى توحيد المعارضة، سواء للتفاوض أو لكي تكون مؤهلة لاستقبال مرحلة ما بعد إسقاط النظام .


*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.