معرفة تونس الثورة

جابر عصفور

نشر في: آخر تحديث:
ذهبت مع أعضاء الصالون الثقافي العربي إلي تونس بدعوة كريمة من رئاسة الجمهورية‏.‏ والصالون الثقافي العربي جمعية ثقافية تحت التأسيس‏, تضم عددا من السفراء العرب في مصر وبعض العاملين في المؤسسات الدولية وعددا من المثقفين المصريين, ويربط بينهم- فضلا عن الصداقة- حلم التقدم العربي والإعلاء من قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان, وحق الاختلاف القائم علي المساواة.

لم تكن زيارتنا إلي تونس مثل غيرها من الزيارات, فقد كان الدافع إليها أقوي, خصوصا أنها الدولة التي استهلت ثورات الربيع العربي, ولا تزال ثورتها تمضي إلي الأمام, وتحقق نجاحات كثيرة رغم العوائق الموجودة والتحديات الصعبة التي لا تزال تواجهها. وقد تصادف أن جاءت زيارتنا مع افتتاح معرض الكتاب التونسي الذي لم تتح لنا ارتباطاتنا السابقة بالتمتع بزيارته وقضاء وقت كاف فيه, أو حتي المشاركة في أنشطته, فقد كانت الزيارة مخصصة لمعرفة ما يحدث في تونس بعد الثورة والحوار مع أكبر عدد ممكن من المسئولين من أعضاء التآلف الثلاثي (الترويكا) الحاكم. وقد سعدنا بجلسة حوارية طويلة مع السيد راشد الغنوشي رئيس حزب حركة النهضة ومع الدكتور محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية الذي أتاح لنا من وقته وكرمه الكثير مثلما فعل السيد راشد الغنوشي. وسوف أفرد للقاء مع كل منهما حديثا خاصا. وإلي جانب ذلك, قابلنا عددا من الوزراء منهم وزير الداخلية, المناضل القديم الذي قضي سبع عشرة سنة في الحبس الانفرادي في العهد البائد. واستمعنا إلي بعض آراء وزير الخارجية الذي كان حاضرا لقاءنا مع السيد راشد الغنوشي, فضلا عن السيدة محرزية العبيدي نائبة رئيس المجلس التأسيسي الخاص بكتابة الدستور. وقد عرفنا منها ما أثلج صدورنا بوصفنا أنصارا للدولة المدنية التي يؤكدها الدستور التونسي الجديد في كل مواده, ومن أهمها البنود الخاصة بتعريف الدولة وهويتها فضلا عن المواد الخاصة بالمرأة ومساواتها الكاملة بالرجل في حقوق المواطنة.

الواقع أننا سعدنا بجلسة مطولة مع الوزيرة سهام بادي وزيرة المرأة وشئون الأسرة, وقد أفاضت في كل ما يشبع رغبتنا فيما يخص وضع المرأة التونسية في كل مجال. والحق أننا أعجبنا جميعا بفكرها المدني, وجسارتها في الحديث المتعاطف والمدافع عن أوضاع المرأة التونسية من ناحية, ودورها الثوري المستمر في انتزاع المزيد من الحقوق المحرومة منها المرأة المصرية للأسف من ناحية أخري. وقد شعرت شخصيا بالفخر- بوصفي قوميا- بوجود مثل هذه الوزيرة, ودعوت الله في سري أن يكون عندنا مثلها. لكن لا أظن أن الحكومة القائمة والحزب الحاكم يسمح بوجود أمثال هذه الوزيرة, رغم أن في مصر مثلها من المدافعات عن حقوق المرأة. ولكن للأسف, فإن وضع المرأة التونسية عموما أفضل من وضع المرأة المصرية. ودليل ذلك حضورها الفاعل في أيام الثورة التونسية وأشهر التأسيس التي تولتها الحكومة الانتقالية, وعدم المساس بأي حق من حقوقها المكتسبة التي لم يقترب منها حزب النهضة لانفتاح تفكيره الإسلامي المستنير من ناحية, وقوة الحضور النسائي الجسور وغير المهادن في استكمال المرأة التونسية حقوقها من ناحية أخري, ضمن إطار الدولة المدنية الحقيقية التي تقوم علي حرية كاملة غير منقوصة. ولعل علامة ذلك الجملة التي تنسب إلي كل من المرزوقي والغنوشي علي السواء. وقد أكدها لي الشيخ راشد الغنوشي في حواري معه مؤكدا أنه يدافع عن حرية المرأة في أن ترتدي الحجاب أو لا ترتديه أو حتي ترتدي النقاب فهذا جزء من حريتها. وهي الحرية التي أذكر أن الدكتور محمد المنصف المرزوقي تولي تأصيلها في إحدي مقالاته. فانتهي إلي نتيجة لا يختلف معها راشد الغنوشي الذي لا أزال أري فيه نموذجا للعقل الإسلامي المستنير المفتوح الأفق علي متغيرات العصر بكل ما فيه من تحولات معقدة.

بقي أن أشير إلي لقائنا مع نماذج من شباب الثورة الذين احتلوا مناصب في دولة الثورة علي مستويات متعددة. وكانت جلستنا مع ثلاثة من الشباب, جاءوا- متكرمين- لزيارتنا والحوار معنا في الفندق. أولهم مدير مكتب الدراسات الاشتراكية, وثانيهم مدير مركز الدراسات الدولية, وثالثهم رئيس التجمع الناصري الأستاذ خالد الكريشي المحامي الذي أهدانا كتابه عن العشق والثورة: حديث ما قبل 14 جانفي 2011. وتتصدر الكتاب مقدمة للدكتور محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية الذي يدخل في حوار خلاق- قائم علي احترام حق الاختلاف- مع المؤلف. والحق أن الحوار مع الثلاثة الذين غاب عني اسم اثنين منهم كان ثريا وصريحا إلي أبعد حد, فقد عرفنا منهم الكثير عن تتابع أحداث الثورة إلي أن تشكل الائتلاف الثلاثي (الترويكا) الحاكم, وعن الأوضاع التي حدثت بعد استقرار الحكومة الحالية, والمصاعب التي تواجهها من بعض الأحزاب المعارضة التي تضم عددا لا يستهان به من الذين كانوا في حكومات ما قبل الثورة, أو من المتحمسين للعلمانية الخالصة وهم يعيدون جمع قواتهم في حزب النداء التونسي الذي يرفع لواء العلمانية الشاملة, ولا يكف عن مهاجمة حزب النهضة الذي يرفضه, ويصفه بعض المتحدثين باسمه-أي النهضة- بأنه ظاهرة صوتية.
وربما كانت الرسالة التي وافقنا عليها في الحوار مع هؤلاء الشباب أن علينا نحن جيل الآباء أن نترك لهؤلاء الشباب مقاعدنا, ونترك لهم حرية العمل وتحمل المسئولية, فهم صناع المستقبل وليس نحن. وأعتقد أني وأغلب زملائي لم يكن عندنا مشكلة في تقبل ذلك, لكن مع تحفظ بسيط لا يقلل من تأكيد الموافقة, وهو أننا طرف في صنع المستقبل بالرأي الذي هو من حقنا بوصفنا مواطنين لا أوصياء, وبالمشورة إذا طلبت منا, ما ظلت أزمة الوطن كمستقبله تهمنا جميعا. وقد انتهي الحوار الذي كنا نرجو أن يطول, ولكن مندوب الرئاسة نبهنا إلي اقتراب موعدنا مع الرئيس, فكان علي الحوار أن يتوقف رغم أننا جميعا كنا نود امتداده, لكن كان لابد من الوعد باستكمال الحوار في زيارة أخري. ولكن ما سمعناه من هؤلاء الشباب الذين كانوا يجمعون ما بين الاتجاه الاشتراكي والناصري والماركسي كان ينبئ بأن مستقبل الثورة التونسية يبقي واعدا ما ظل مرهونا بهؤلاء الشباب وأمثالهم من الذين لم تسرق منهم الثورة, أو لم يخططوا جيدا لما بعد نجاحها. ولعل هذا هو الفارق الحاسم بين الثورة التونسية التي أنتجت تآلفا وطنيا للحكم والثورة المصرية التي لم تحقق هذا التآلف بعد.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.