نصيحة الغرب للبنان إنأوا بأنفسكم عن سوريا وغزة

نبيل هيثم

نشر في: آخر تحديث:
تواضعت السياسة اللبنانية، في مواجهة الحدث الفلسطيني الكبير. فقد كان لبنان، كما باقي العرب، في حالة ترقّب لما يجري في سوريا من نزيف يطوي صفحته الثانية بعد أسابيع قليلة. فجأة، صارت غزة هي البوصلة.

وكالعادة، ثمة آراء كثيرة. من نظرية المؤامرة التي تربط بين عملية «الكورنيت» ضد الدورية الاسرائيلية وقبلها زيارة أمير قطر الى القطاع، وصولاً الى ما يجري اليوم على أرض غزة، مروراً بالواقع المتدحرج في الأردن. تقود نظرية المؤامرة للقول إن ما يجري هو حصيلة تواطؤ «إخواني» (مصر وفلسطين) مع اسرائيل والولايات المتحدة، وصولا الى شطب القضية الفلسطينية والعودة الى نظرية «الوطن البديل» (الأردن).

ثمة نظرية أكثر رواجاً أن جهة إقليمية استدرجت الكل الى فخ المواجهة. إسرائيل استدرجت كما «حماس» والقاهرة المحرجة. وبالتالي، لم يعد بمقدور الإسرائيليين التراجع الى الوراء ربطاً بالاستحقاق الانتخابي المبكر في كانون الثاني المقبل وبالضغط الاسرائيلي لتوجبه ضربة عسكرية لإيران. أيضا، لم يعد بمقدور «حماس» أن تتراجع، وبالتالي صارت المعركة حاسمة بكل المعايير لجميع المشاركين فيها، وخاصة لبنيامين نتنياهو، فإذا فشل في غزة، وهو سيفشل حتما، فلن يجد غداً من يضع يده بيده عندما يحاول التهديد ولو لفظياً بضرب إيران!

ومثلما فاجأت المقاومة الفلسطينية الإسرائيليين بترسانتها (كورنيت وفجر خمسة وغيرهما) وبدقة التصويب والأهداف وتوسيع ساحة الاشتباك، فإن هناك من يخشى أن تتدحرج كرة النار من غزة نحو اشتباك أكبر على مستوى المنطقة يكون عنصراً حاسماً في بلورة معادلة دولية جديدة.

لبنانياً، وبالتزامن مع «حرب غزة الثانية»، تكثفت الحركة الديبلوماسية الغربية في اتجاه أهل السلطة، وترافقت مع توجيه نصيحة غربية للبنان الرسمي بعدم حصر سياسة النأي بالنفس بالملف السوري فقط، بل توسيع مساحة تلك السياسة لتشمل ما يجري على أرض غزة، بما يجنّب لبنان أية ارتدادات على أمنه واستقراره.

ولقد تبلغت مراجع رئاسية وحزبية تمنيات غربية بهذا المعنى من العديد من السفراء. ومن هؤلاء، من زار المختارة والقصر الجمهوري والسرايا الحكومية، وحاول الحصول على أجوبة عن أسئلة محددة:

- أين موقع لبنان من العدوان الإسرائيلي على غزة؟ (بعض السفراء تحفظوا على مضمون الموقف اللبناني الذي عبّر عنه وزير الخارجية عدنان منصور في الاجتماع العربي في القاهرة يوم السبت الماضي).

- ماذا عن موقف «حزب الله» الحقيقي مما يجري في غزة؟ (قدّم أحد السفراء ملاحظة تعبّر عن مدى الرصد الغربي لأصغر التفاصيل المتصلة بـ«حزب الله» ومفادها أنه في مكان ما بالقرب من طريق المطار كانت هناك صورة للسيد حسن نصرالله، ولم تعد موجودة، فلماذا تم نزع الصورة، وهل هذا مؤشر على شيء ما في ساحة «حزب الله»؟).

- ماذا لو تم التضييق على الفصائل الفلسطينية في غزة أو شعرت أنها بحاجة الى «عونة ما»، هل سيبقى «حزب الله» في موقع المراقب، أم أنه سيبادر الى الاقتراب أكثر من الحدث الفلسطيني تحت عنوان الثأر لغزة، عبر إشغال الجيش الإسرائيلي على طول الحدود الجنوبية؟

- ماذا عن الدولة اللبنانية، وهل تستطيع ثني «حزب الله» عن محاولة تسخين الحدود؟ ( توافرت معلومات لمراجع حزبية بأن سفيراً أوروبياً طلب من مرجع كبير بذل ما يستطيعه لضبط حركة «حزب الله» في هذه المرحلة، اذ يخشى أن ينعكس ذلك سلباً على لبنان).

- ماذا عن الفصائل الفلسطينية، الحليفة لـ«حزب الله» وإيران وسوريا، وهل تضمن الدولة اللبنانية ألا تبادر تلك الفصائل الى تحريك الجبهة الجنوبية، وهل تمتلك الدولة القدرة على منعها في ما لو قررت هي ذلك، وهل في مقدورها أن تضمن عدم تكرار العمليات الصاروخية «المجهولة الهوية» من الجنوب اللبناني الى فلسطين المحتلة؟

وإذا كانت الديبلوماسية الغربية في بيروت لا تخفي سعيها الواضح للحصول على خريطة تحرك «حزب الله» ربطاً بالعدوان على غزة، فإن الحزب يتعاطى مع الأمر وكأنه لا يسمع كل الهمس الديبلوماسي، علماً أنه أبلغ من يهمهم الأمر أنه معني بما يجري في غزة وبانتصار المقاومة الفسطينية فيها ومن دون أن يحدد المسار الذي سيسلكه في هذا الاتجاه، ولقد قال السيد حسن نصرالله مؤخرا ما يفيد بأن المقاومة ليست معنية بأن تقدم تطمينات لأحد، أو أن تكشف ما لديها من قدرات أو خطط أو خطوات أو تدابير. فكل شيء يظهر في حينه، وعندما تدعو الحاجة.

ويقول حزبيون إنه برغم قوة النار الإسرائيلية في الميدان، فإن العدو لم يتمكن من إثبات قدرته على التحكم بزمام الحرب التي يشنها على غزة، وانه خلافاً لكل ما يقال عن تضييق وحصار، «فقد أكدت معركة غزة أن حلف المقاومة لا يزال قائماً وموجوداً بكل قوته، وها هي المقاومة الفلسطينية تثبت قدرة فائقة على الصمود والمواجهة، لا بل هي فاجأت العدو باعترافه، وربما هي تملك مفاجآت أخرى».

يضيف الحزبيون أن الحرب الإسرائيلية على غزة تشكل اختباراً جدياً هو الأول من نوعه للأنظمة التي أنتجها «الربيع العربي» مثلما تعيد إنتاج الوعي والقناعة لدى الشعوب العربية بخيار مقاومة العدو الإسرائيلي، من دون إغفال الأهمية التي تمثلها الوحدة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الحرب الإسرائيلية.

*نقلاً عن صحيفة "السفير" اللبنانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.