عاجل

البث المباشر

الانقسام أصبح واضحا

منذ اللحظة الأولى لقيام ثورة‏25‏ يناير كان واضحا أنها تفتقد إلى قيادة سياسية موحدة وأنها لا تمتلك بديلا للحكم الذي كان قائما آنذاك‏

كما أنها لم تكن أيضا ثورة تحمل أفكارا كبرى مثلما كان الحال في إنجلترا وأمريكا وفرنسا. والثورة هي نقطة تحول جذري في حياة الشعوب للقياس عليها ويؤرخ من خلالها لما قبلها ومابعدها. ولايعني ذلك أن جميع الثورات هي ثورات ديمقراطية فهناك أنواع أخرى من الثورات تصنف على أنها ثورات شمولية بمعني أنها تأتي لتزيح نظاما استبداديا لتقيم آخر استبداديا أيضا محله أو حتي تبتكره مثلما كان الحال في الثورات الشيوعية.

وفي حالة الثورات العربية فما زال كثير من علماء السياسة مترددين في منحها الصفة العلمية للثورات، فهي اما ثورات غير مكتملة أو أنها أقرب للانتقاضات الشعبية الكبرى التي تسعى للخروج من عباءة الاستبداد دون أن تقدم بديلا واضحا وهي أيضا وان أثبتت قدرة هائلة على الحشد والتعبئة إلا أنها ليست كذلك على مستوي المباديء والأفكار فهي اذن في مرحلة التجريب. لذلك فقد استقر الحال على وصفها بالربيع العربي لأن الآتي مازال مجهولا وينتظر أن تمر بمراحل من النجاح والفشل وأن تتعثر وقد تفقد الاتجاه الصحيح أحيانا كثيرة.حدث ذلك في تونس ويحدث في مصر الآن وان كان بصورة أكبر وسيحدث في غيرها من التجارب علي الطريق.

إن الأزمة التي تشهدها البلاد منذ إصدار الرئاسة للإعلان الدستوري المؤقت الذي وصف بالديكتاتوري والانقلاب على سيادة القانون، وهو عماد أي تجربة ديمقراطية، إنما تتجاوز في أسبابها وتداعياتها هذا الاعلان. فما فعله هذا الاعلان لم يكن اكثر من تفجير لما كان يعتمل تحت السطح من خلافات وانقسامات واستقطابات حادة بين مختلف القوي السياسية الاسلامية من ناحية والمدنية من ناحية أخرى بل وأيضا على مستوي مؤسسات الدولة ذاتها بسلطاتها الثلاث, وبين النخبة, والمجتمع المدني بأطيافه المختلفة، والنقابات المهنية والأخطر من ذلك هو الانقسام على مستوى المجتمع فلأول مرة يبدو الشعب المصري منقسما علي نفسه علي هذا النحو.

فالأخطاء المتراكمة منذ اضطلاع المجلس العسكري بإدارة الفترة الانتقالية،وتأخر القوى السياسية المدنية في التوحد والاعلان عن مواقفها بوضوح ليسمع صوتها, واستقواء القوي الاسلامية بالشعارات الدينية لاثارة حماس الجماهير ومخاطبة وجدانهم الديني، ثم الاصرار علي تأجيل كتابة الدستور والتوافق عليه قبل الذهاب إلي صناديق الانتخابات, و أخيرا الحديث المبهم الغامض عن الدولة المدنية من كافة الأطراف اسلامية ومدنية علي السواء دون تحديد لمبادئها وقواعدها, أو حتي مفاهيمها الأولية, كلها عوامل أفضت إلي الأزمة التي تعيشها مصر الآن. فالواقع أن الجميع ارتكب أخطاء وأن المجلس العسكري فشل في الادارة السياسية وأن القوي المدنية تخاذلت في كثير من المواقف وأن القوي الاسلامية خدعت الكثيرين بالحديث عن التوافق والموافقة علي الدولة المدنية فإذا بالأمر ينقلب إلى صراع على الهوية الدينية للدولة. ولكن الحقيقة الأخطر من ذلك هي أن تلك الأخطاء كما يبدو الآن لم تكن مجرد أخطاء عفوية ولكنها كانت ذريعة لتأجيل مواجهة تلك الصراعات الحادة الكامنة.

إن الصراع الحالي ليس صراعا بين قوى ثورية في مواجهة فلول نظام انتهى, وإنما هو صراع بين المشروع السياسي الاسلامي حتي وان تحدث باسم الديمقراطية ومشروع مدني يرفع لواء الديمقراطية أيضا ولكن الأسس الفكرية لكلا المشروعين تظل متناقضة وليست فقط مختلفة. لذلك فإن كثيرا من صفوف القوي السياسية والنخبة التي صوتت لصالح الرئيس محمد مرسي خوفا من عودة النظام القديم باتت تصطف الآن في المعسكر المعارض له. ومن ثم فإن الأخيرة أي المعارضة تجاوزت مفهوم المعارض التي تعرفها النظم الديمقراطية والتي عادة ما تمارس دورها المعروف في اطار نظام مستقر القواعد إلي تحولها إلي حركة احتجاج واسعة, خاصة بعد ما انضم إليها كثير من الائتلافات والحركات الثورية التي لعبت الدور الأساسي في أحداث25 يناير من خارج اطار الأحزاب السياسية المنظمة.

إن المشهد في مصر الآن لايعبر عن مجرد اختلاف بين قوي الحكم والمعارضة وإنما هو صراع سياسي واجتماعي وثقافي وأيديولوجي بامتياز. وتكفي قراءة سريعة للشعارات المرفوعة من جانبي الصراع لتأكيد هذه الحقيقة. فالقوي المدنية ترفع شعار اسقاط الاستبداد واستكمال أهداف الثورة المدنية التي اجهضت. ومن جانبها ترفع القوي الاسلامية شعار الحكم بشرع الله والشريعة والشرعية وتبدو نقطة الالتقاء غائبة والهوة بينهما كبيرة وأزمة عدم الثقة قائمة بقوة. لذلك لم ير حزب الحرية والعدالة الحاكم وجماعة الاخوان المسلمين والتيارات والقوي الاسلامية الأخري في كل ما يحدث سوي محاولة من القوي المدنية لاسقاط الرئيس المنتخب وتعطيل مؤسسات الدولة وعودة لفلول الوطني واستمرار للاعلام المأجور وقد يكون لهذه المخاوف مايبررها فالانتقال الدرامي من موقع المعارضة المحظورة قانونا إلي موقع الحكم, ومن الاستبعاد الكلي أو الجزئي والحرمان حتي من العمل الحزبي إلي الهيمنة علي مؤسسات الدولة وتقدم صفوف الأحزاب لابد وأن يثير هذه المخاوف.

لكن ما تشهده مصر هو أخطر من ذلك. كما أن غضبة قضاة مصر ومعهم قطاع واسع من مرفق القضاء علي القرارات الأخيرة و التي تعيد الي الأذهان ما حدث في الستينيات ابان ما عرف بمذبحة القضاة ومعهم النقابات المهنية يتقدمها نقابات الرأي مثل نقابتي المحامين والصحفيين وجميع الأحزاب والقوى والتكتلات المدنية وقطاعات واسعة من الشعب، لابد وان تتجاوز هذه الاعتبارات.


لاشك أنه في مثل هذا المناخ لايمكن أن يقر دستور جديد ليس هناك توافق عليه كما أن الدعوة إلي الاستفتاء لن تكون ضمانة كافية لإصباغ شرعية عليه بل ستكون شرعية هشة لاتحقق الاستقرار و لن تصمد طويلا. إن الوصول إلي حل لتلك الأزمة لن يكون إلا بالاعتراف بالقضايا الجوهرية محل الصراع والتصدي لها. أما من يتحدث عن إجراء حوار وطني بيوقراطي تقوم عليه لجنة حكماء علي غرار ذلك الذي شاهدناه ابان فترة ادارة المجلس العسكري فلن تغضي في النهاية سوي إلي تأجيل الحل أو ترحيل المواجهة إلي إشعار آخر.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات