وزارتا العمل والتخطيط الحياة والنوم

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:
على رغم كل ما يحدث في مصر وسورية وتونس وليبيا من عناوين مهمة للأخبار والتطورات، لم أجد خبراً أسعد ولا أكثر إثارة لي مما نشرته الصحف قبل أيام عن مدينة الملك عبدالله الاقتصادية.



الخبر يشير إلى إعلان شركة «إعمار» عن بدء ٤٠ مستثمراً محلياً وعالمياً إنتاجهم في تلك المدينة من خلال الاستثمارات التي ضخت هناك وتجاوزت عشرة بلايين ريال... أعرف كم هو مقلق لكم، كما هو مقلق لي، أن نواجه زمناً لا يجد فيه أبناؤنا وبناتنا فرص عمل لهم، لذا فإن أي خبر يخرج من مشروع عملاق بحجم مثل هذه المدينة فإنه حتماً خبر سار، وحتماً سيخرج منه آلاف الوظائف الجديدة.



البحث عن عوامل الاستقرار يجب أن يكون هو الشغل الشاغل لأي حكومة، ومنها حكومتنا في المملكة، وأنا كمتابع لا أرى أي تفاعل يذكر حول هذا الهم الكبير من وزارة التخطيط، المعنية بقراءة المستقبل والتنبيه لمخاطره، لكن في الوقت نفسه لا أملك إلا التقدير والعرفان على جهود وزارة العمل في هذا التوجه.



هذه الوزارة تعمل لوحدها، قبل أسابيع فرضت رسوماً إضافية على القطاع الخاص من شأنها رفع كلفة العامل الأجنبي من جهة، وتوفير السيولة لصندوق الموارد البشرية، الذي في الأساس تم إنشاؤه لدعم القطاع الخاص في توظيفه للسعوديين، لكن وعلى رغم مرونة القرار وتشجيع الوزير لمن تضرر من المقاولين بالمطالبة بالتعويض، استنكره السواد الأعظم منهم، قبل ذلك بدأت الوزارة بتصميم برامج حيوية وغير مسبوقة في أي قطاع حكومي، كبرنامج نطاقات ولقاءات وطاقات، هذه البرامج ومن مقراتها المنتشرة في مناطق عدة من المملكة أصبحت خلايا نحل مليئة بالموظفين والموظفات والجميع يعمل بلا كلل لإنجاح توطين الوظائف في المملكة، ثم يأتي من الجهة الأخرى من يسعى، وأيضاً بلا كلل، لإعاقة عمل الفتيات في مهنة بيع المستلزمات النسائية، تعلو الأصوات وتجيش العقول نحو رفض هذه المبادرة. لا أقول إلا أعان الله كل المخلصين على مواجهة هذا الواقع المتناقض والمتشتت في أولوياته، إن كان هناك لوم على من لم ينبهنا إلى حدوث مثل هذه المواجهة في وقت باكر، واللوم موجود من دون شك، فهو يلقى على وزارة التخطيط، كما ذكرت، التي تشخر في سبات عميق، وكأن هذا المشهد يفاجئها ولم تعلم عنه شيئاً... نامت هذه الوزارة لعقود متعددة من دون أن تعلق الأجراس عن عمق أزمة البطالة التي نعاني اليوم منها، أقول نامت لأن هذه الوزارة في الأساس هي المنوط بها التقدم بخطط واضحة لكيفية مواجهة مثل هذه الحالات قبل أن تتحول إلى أزمات.



لنترك الماضي ونتحدث عن اليوم وغدٍ، أقول: وزارة التخطيط لا تزال نائمة حتى اليوم، على رغم كل الأرقام التي تخرج منها، أين ندوات الوزارة ومؤتمراتها عن صورة سوق العمل بعد أربع سنوات من الآن؟ هل تجهل الوزارة أن عدد طالبي العمل سيتضاعف إلى ما يزيد على أربعة ملايين شاب وشابة، بينما الفرص الجديدة التي قد تصبح متاحة لن تتجاوز مليون وظيفة؟ ليس المطلوب من وزارة التخطيط خلق الفرص، ولكن فقط التنبيه على خطورة ذلك، ومحاولة التعرف على الأسباب ومكامن الخلل في اقتصاد المملكة المحدود جداً في تفرعاته، هل سمعتم يوماً أي إشارة تحذير من هذا القبيل أصدرتها هذه الوزارة؟ ماذا يفعل المسؤولون هناك كل يوم من الثامنة حتى الثانية؟ وما الأجندة الأهم في جدول عملهم اليومي، التي كما يبدو تشغلهم عن الالتفات والتركيز على موضوع البطالة وشح الفرص المتاحة، من بين الكثير من القضايا الأخرى كالاستهلاك المفرط للطاقة والمياه؟



هذا ما دعاني للإشارة إلى خبر مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في افتتاحية هذا المقال، مثل هذه الأخبار أراها مميزة، ذلك أنها جديدة وتحمل إضافة إلى الوعاء الوظيفي في المملكة، هذا الوعاء الذي جميعنا، ما عدا وزارة التخطيط، أصبح يدرك اليوم في المملكة أنه لا يتسع بمحتوياته الحالية ليستوعب عدد طالبي العمل الجدد، من أهم أسباب ضيق هذا الوعاء، لما نشاهده من رداءة الجودة في قطاع الخدمات، وهو القطاع الأهم في القدرة على التوظيف، وتحديداً قطاعات الضيافة واستضافة المؤتمرات والندوات والمناسبات الكبرى، هذه القطاعات عندما تمارس أدنى مستوى من الجودة فإنه من الطبيعي ألا يتطلب كادرها الوظيفي الكثير من الوظائف، ناهيك عن المهارة والتخصص، هل تحدث أحد عن علاقة الجودة بعدد الوظائف؟ ما إستراتيجيتنا لمواجهة عام ٢٠١٦ وما بعده؟... أسئلة نبعثرها في كل مكان لكن من دون مجيب.





*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.