دهن العود

عبد العزيز السويد

عبد العزيز السويد

نشر في: آخر تحديث:
فاحت رائحة دهن العود في المخيلة وأنا أقرأ خبر «الحياة» عن سؤال القاضي للمتهم «رئيس كتابة عدل سابق في جدة» عن تعطره بدهن عود خاص برجل أعمال.

وللرائحة ذاكرة لا تغيب، قلت لنفسي: «في أي قرن نحن نعيش؟»، سؤال القاضي أعادني إلى كتب التراث، وما حفلت به من قصص الزهد والورع، قصص الاستغناء بالقناعة، نعم في أي قرن نعيش؟ والدهون أنواع، أهونها دهن العود «المخلوط» أحياناً بدهون المفاطيح. مُؤكد أن لدى القاضي سبباً للسؤال، ربما هو البحث عن مدى لزوجة العلاقة بين الطرفين! وقد قيل «أدهن السير يسير»، وكنا نفكر في سيور مختلفة، فلا يطرأ على الذهن إلا دهن من نوع آخر غير مستحب الرائحة.

لا نملك حكماً هنا، فالحكم للقاضي، إنما السؤال استدعي إشكالات شائكة، من تعارض المصالح و«تطابقها» أحياناً، باستخدام الدهون أو من دون، إلى الابتعاد عن الشبهات حد الكفاف والجوع أحياناً، وهو ما قرأنا عنه لدى أهل الورع والزهد في زمن آخر.

من أشهر القصص قصة شمعة عمر بن عبدالعزيز، يطفئ الخليفة شمعة مال بيت المسلمين حين متابعة أعماله الخاصة، ويستخدم شمعة من حر ماله.

ومن ذلك هذه القصة العجيبة التي استوقفتني كثيراً: «روي أن أخت بشر بن الحارث قصدت أحمد بن حنبل فقالت: إننا قوم نغزل الليل ومعاشنا منها، وربما تمر بنا مشاعل بني طاهر ولاة بغداد ونحن على السطح، فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين، أفتحله لنا أم تحرمه علينا؟ فقال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر، قال: آه يا آل بشر لا عدمتكم لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم».. انتهى.

ذاك عالم آخر وقوم آخرون، من كثرة ما قرأنا وسمعنا قصـــصهم خيل إلينا أن أرواحهم تعيش بينــــهم، فنــــصطدم كل يـــوم بجبال من نهم، جاء به سؤال عن التطـــيب بدهن عود رجل الأعمال في زمن... خلوني ساكت.

نقلاً عن صحيفة" الحياة".
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.