إخوان وإيران

علي الرز

علي الرز

نشر في: آخر تحديث:
يتجاوز ما يحصل في مصر اليوم أزمتيْ الاعلان الدستوري والاستفتاء على الدستور الى ما هو أعمق... الى أزمة «الاخوان المسلمين» أنفسهم الذين غلب طبعهم على تطبّعهم وفرّطوا في اول امتحان بمكاسب سياسية وسلْطوية قدّمتها لهم الديموقراطية.

وعلى الرغم من التناقض الذي يحرص قادة «الاخوان» وقادة الجمهورية الاسلامية الايرانية على إظهاره بين الطرفين، الا ان مشتركات كثيرة تجمع بين التياريْن مع اختلاف التجربة والخبرة، بل يبدو الافتتان بالمسار الايراني مسيطراً على نُخَب «الاخوان» السياسية مهما أعطت التصريحات انطباعات معاكسة ومهما تصادمت الخلافات الفقهية.

أظهر «الاخوان» صبراً غير مسبوق في العمل السياسي العربي، لكنه صبر المصرّ على الوصول الى السلطة عن طريق الحشد الدائم تحت مظلة «العقيدة»، والعمل الاجتماعي، والتأطير الحزبي، واستخدام «المظلوميّة» في الاستقطاب المستمرّ، واستثمار القمع والاعتقالات وغياب الحريات في الكثير من الانظمة العربية لتكوين قاعدة كبيرة من العمل السري. وعندما سنحتْ الفرص للتغيير، نسجوا علاقات قوية مع الجميع بمن فيهم «الشياطين الكبار» و»الشياطين الصغار» للعب دور أساسي او لركوب الموجة لاحقاً وحصْد النتائج، ثم تصدّروا واجهات الربيع العربي مع حلول الخريف.

المفارقة الكبرى في قضية «الإخوان» تمثلت في انهم عاكسوا عند وصولهم الى السلطة كل مسارهم التكتيكي الطويل الذي برعوا فيه، فحلّ الاستعجال مكان الصبر، ومُسحت كل الوعود التي أُطلقت بهدف تأمين شكل تعددي تحت مظلة الحكم، وتَغلّب الفكر الحزبي على فكر الدولة، وحلّ المشهد الديني مكان المشهد المدني، وتوزّعت مواقف قيادات «اخوانية» كثيرة بين «التقية» التي اشتهر بها الهيكل السياسي الايراني وبين استعراض العضلات الذي اشتهر به الهيكل العسكري الايراني... باختصار، فرّط «الاخوان» بتجربة كان يمكن ان تتعمّم لو أُحسن استثمارها، وأثبتوا حتى لبعض القوى العلمانية والمدنية التي راهنت على تغييرٍ ما ان «مَن شبّ على شيء شاب عليه»، وان العلة في الفكر لا في الادارة، وان الانتشاء بالنصر لا يعوّض قلة الخبرة، وان اعتماد سياسة «التجربة والخطأ» في حُكم مصر لا تبني سلطة ولا تصنع تقدماً.

يمكن لـ «الاخوان» او لغيرهم ان يصلوا الى حكم مصر بآليات ديموقراطية قوامها الانتخاب الحرّ، انما لا يمكن ان يستمروا في الحكم إن لم يحصل القطْع ولو المتدرّج مع ماضٍ لا يؤمن بالديموقراطية ولا بالخيار الحرّ. الديموقراطية لا تنتهي بختم آخر صندوق اقتراع بالشمع الاحمر. تبدأ من هنا وتترجم نفسها في هيكل السلطة. أما المجتمع المدني الذي قامت الثورة المصرية أساساً لقيامه فيستحيل ان يستقيم بوجود سلطة يوجّه مسارها وأهدافها «مرشد»، اللهمّ الا اذا كان التماهي مع الجمهورية الاسلامية الايرانية هو الاساس، حيث هناك مرشد اعلى هو الحُكم والحَكَم بين السلطات، وهناك «عالمية» للفكر والتوجّه والنفوذ ومدّ السيطرة، وهناك «باطنية» مستفحلة بين المعلن والمبطّن وبين الوعود والنكوث بها، وهناك «شورى» قائمة على نظامٍ فيه موالاةٌ تؤْمن بولاية الفقيه ومسارها «محافظ» تحت مظلة الجمهورية الاسلامية... وفيه معارضةٌ تؤمن بولاية الفقيه ومسارها «اصلاحي» تحت مظلة الجمهورية الاسلامية ايضاً. فهل يراد لمصر ان تتحوّل تدريجياً الى نظام شَوْرَوي ولو بمسميات الديموقراطية تكون فيه معارضةٌ كبيرة انما من لون «الاخوان» او قريب منهم، يحترم مرشدهم وأهدافه او يحترم «مرشداً» مماثلاً متقارباً معه في الفكر والرؤيا ومختلفاً معه في الاسلوب؟.

استعجل «اخوان» مصر كثيراً في الاندفاع نحو تحقيق أهدافهم الحقيقية وهم في الحقيقة لم يكونوا مضطرين لذلك، ولا توجد عبارة واحدة في قاموس العلم السياسي يمكن ان تفسّر هذا الاستعجال او تبرّره. ربما وجدنا تفسيراً في قواميس علم النفس او في علم التاريخ... وتحديداً تاريخ الحركة نفسها ومسار «الاستعجال» الذي ادى الى مظلوميّتها.

تبقى كلمة، مصر غير إيران... والتجربة الايرانية غير مضيئة.


*نقلاً عن "الرأي" الكويتية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.