ماذا يريد الأتراك من العرب؟

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:
حري بنا أن نقلب السؤال إلى عكسه، ونقول: ماذا يريد العرب من الأتراك؟ حقيقة الأمر أن الأتراك والعرب يحتاجون في هذا العصر إلى شيء واحد، وهو أن يعرفوا بعضهم بعضا، ويكتشفوا أن العلاقة بين الشعوب دائما متغيرة، وليست ثابتة، تخضع للمصالح المشتركة، وليس للعواطف الجياشة.

المخزون لدى المخيال العربي عن الأتراك، هي أحداث الخمسين سنة الأخيرة قبل سقوط الخلافة العثمانية، وقتها أصيب العرب والأتراك بما عرف بموجة القومية، التي أزاحت الرابطة الدينية إلى الخلف في المشهد السياسي، وحلت محلها العرقية، سواء أكانت الطورانية التركية، أم القومية العربية، كانت تلك الموجة تقليدا لما حدث في الغرب من الاعتماد على القومية في بناء الدول.

لم تكن الأطماع الغربية بعيدة أيضا عن ذلك التوجه، فشجعت دول غربية تلك الموجة واستفادت منها، على الأقل عند العرب، فقد اعتقدوا وقتها أنهم سوف يقيمون الدولة العربية الواحدة، بعيدة عن ظلال الترك، والترك أو تركيا الفتاة وهم شباب تركيا المتحمس الذين اعتلوا موجة السياسة وقتها، اعتقدوا من جهة أخرى، أنهم سوف يصلحون من الحكم العثماني الذي تجمد، على الأقل في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ويبنون إمبراطورية قائمة على العرق التركي، كلاهما (العرب والأتراك)، انتهى بهما المطاف بعد الحرب العالمية الأولى، إلى احتلال غربي وتقسيم داخلي لأوطانهم، وبقية القصة معروفة.

التاريخ الطويل الذي نسيه الجميع أن فترة زمنية طويلة جدا ربطت بين العرب والترك، وقتها كان الأتراك ناشري العقيدة الإسلامية من جهة، والمدافعين عنها من جهة أخرى. الفكرة القومية لدى الطرفين في الخمسين عاما السابقة للحرب العالمية الأولى، تواكبت مع تراكم السلبيات بين العرب والترك، خاصة في آخرها، عند تطور شعور عربي بأن الأتراك (خلفوا العرب واستعمروهم) بالمعنى الحديث للمفهوم، ونظر الترك عند تخلي العرب عنهم على أنهم (خانوهم أو تخلوا عنهم وقت الشدة إبان الحرب) وبسبب علاقة الاثنين بالإسلام، نظر الترك دائما إلى العرب على أنهم مصدر الإسلام وخزينته الثقافية، فلا يجوز أن يساعدوا الغازي الأجنبي ضدهم. تلك المعادلة خلفت شكوكا بين الطرفين واستمرت لفترة طويلة، حتى إن الأتراك أعطوا ظهرهم للعرب، وتوجهوا إلى الغرب في معظم سني القرن العشرين، بل بنوا علاقات وثيقة عسكرية واقتصادية مع إسرائيل، كما وقف العرب سياسيا ضد مصالح تركيا، خاصة في موضوع قبرص الحساس للترك.

الشعوب في عصرنا الحالي لا تتوقف كثيرا أمام بوابات الماضي لتبكي على اللبن المسكوب، فلو تم ذلك لما وجدنا ألمانيا وفرنسا وغيرهما من بلدان أوروبا التي حاربت بعضها بعضا حتى قتل ملايين البشر من بين مواطنيها، هي اليوم في وحدة اقتصادية وسياسية، ولما وجدنا تحالفا شبه مقدس بين بريطانيا والولايات المتحدة، وقد خاضت الأخيرة حرب تحرير ضد قوات الأولى، وهكذا هو تاريخ البشرية الحديث يتطور لا يقف أمام عداء أو خصام متى ما تغيرت الظروف.

الأهم في العلاقات التركية - العربية هو الحاضر والمستقبل، ومن أجله عقد في إسطنبول الأسبوع الماضي ملتقى عربي - تركي بهدف الدفع برؤى المستقبل إلى مكان أفضل، وهو ملتقى تطوعي وشعبي ومفتوح لمن يرغب من الجانبين العربي والتركي على السواء، شعاره هو «أن نعرف ونُعرف». وقد أصدرت اللجنة المؤسسة نداء في نهاية اللقاء ترحب فيه بكل من يرغب في الانضمام إليه لدفع العلاقات الثقافية بين الثقافتين التركية والعربية إلى آفاق تحقق الفهم والتفهم بين الجانبين.

تركيا في العقود الأخيرة خطت خطوات كبيرة في الاقتصاد والسياسة على حد سواء، ربما منذ أن حرر اقتصادها رئيس الوزراء ثم رئيس الجمهورية في نهاية ثمانينات القرن الماضي تورغوت أوزال، ولكن ليس دون الكثير من المعاناة والانخفاض والارتفاع والشد والجذب، في وقت كانت فيه نسبة التضخم التركية هي الأعلى بين مثيلاتها في التكوين الاقتصادي، وكان الدين الخارجي رقمين متتاليين من مليارات الدولارات، وكان عدم الاستقرار هو السمة الغالبة، حتى إن تركيا أعدمت رئيس وزراء نتيجة ذلك الاختلاف السياسي العميق، إلا أن ما حققته تركيا الحديثة لافت للنظر، وهو مؤلف من بضع كلمات (لقد تعلمت تركيا من أخطائها) فحفظت الاستقرار في العشر سنوات الماضية وتجاوزت التعصب، وفتحت الاقتصاد، من خلال رؤية زاوجت بنجاح بين التراث والحداثة، وقادها مجموعة مستنيرة في حزب العدالة والتنمية. انتعش الاقتصاد حتى أصبح رقم 15 في الاقتصاد العالمي ورقم 6 في اقتصاديات أوروبا، وارتفعت نسبة المخصص للتعليم في الميزانية العامة، حتى أصبحت هي الأعلى حتى من المخصص للموازنة العسكرية، وتحولت إلى القطاع الخاص الذي أخذ على عاتقة متابعة التنمية، وطفقت بإصلاحات داخلية إلى أن وصلت إلى تسديد تسعين في المائة من الدين الخارجي، بل بدأت في تقديم قروض إلى الخارج! كما ولجت الصناعة التي أصبح لها مستوى الصناعات المتقدمة.

لم يكن الطريق سهلا ولكنه حقق الكثير من الطموح. نظر العرب إلى التجربة نظرة إعجاب، إلا أنهم اختلفوا في تفسيرها، لقد جذب العرب للنظر بشكل أقرب إلى تركيا الحديثة على الأقل ثلاثة عوامل، الأول هو موقف قادتها من القضية الفلسطينية، وهي قضية لها مكان عاطفي وتاريخي لدى العرب، وبمجرد وقوف تركيا مع الحق العربي، تداعت للعرب المواقف التاريخية للسلاطين العثمانيين المتأخرين الذين رفضوا الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، التي كانت تحت نفوذهم السياسي وقت ذاك، الموقف من فلسطين تجسد في عدد من المبادرات والمواقف، اعترف به الفلسطينيون أنفسهم، فقام محمود عباس بزيارة شكر إلى أنقرة مؤخرا، لم يقم قبلها بزيارة أي مكان آخر. العامل الثاني وهو في تقديري يحتاج إلى تفسير، المسلسلات التلفزيونية التركية التي لفتت نظر كثير من العرب إلى الثروة الطبيعية في تركيا من خلال ما عرض في تلك المسلسلات من مناظر ومنتديات، أما الثالث وهو بأهمية الأول، النجاح في القدرة على تشكيل جسم سياسي يجمع بين التراث (الإسلام) وبين الحكم الحديث، وهذا الأخير ما زالت آلياته غامضة على الكثير من أهل السياسة والفكر العرب.

بعض المتشددين اعتقدوا أن ذلك نجاح (للإسلام السياسي) كما يفهمونه! وآخرون قرأوه على أنه نجاح لاجتهاد سياسي زاوج بين تراث أصيل وعميق لدى المجتمع التركي، وآليات الحداثة السياسية، كما عرفتها البشرية بكل مستحقاتها. وأميل إلى التفسير الثاني، وأضرب مثالا، ففي الوقت الحالي تجرى كتابة دستور جديد لتركيا، أما من يكتبه، فهو الأمر اللافت للنظر، فهناك أربعة أحزاب ممثلة في البرلمان التركي الحالي، وأغلب المقاعد هي لحزب العدالة والتنمية، والأحزاب الثلاثة الأخرى لها تمثيل، ولكن بمقاعد أقل. تم الاتفاق على أن يمثل أربعة أفراد من كل حزب بالتساوي في لجنة صياغة الدستور، والمعنى واضح، هو أن الحزب الأكبر تمثيلا لم يرد أن يحتكر التمثيل أو يأخذ حصة تمثيلية تناسب حجمه في لجنة كتابة الدستور، ويهمش الآخرين، لأن الدستور هو لجميع الأتراك لا لحزب واحد.

صديق تركي قال لي إن تركيا تزرع حديقتها الداخلية كما تعتقد أنها مناسبة لتطورها، ولكنها لا تريد أن تفرض طريقة الزراعة على أحد، على الجميع أن يزرع حدائقه الداخلية كما تتوافق قواه السياسية ومصالحه الوطنية، فتركيا ليست لطرف عربي سياسي دون آخر. ما زلنا نرغب في أن نتعرف على التجربة التركية عن قرب وندرس أسباب نجاحها السياسي والاقتصادي بشكل موضوعي.

آخر الكلام:

في افتتاح المؤتمر الأوروبي - الآسيوي الاقتصادي، الذي عقد في إسطنبول الأسبوع الماضي، تحدث الأمير تركي الفيصل في افتتاح المؤتمر فقال إن تركيا عزيزة على قلبي، فوالدتي ولدت وعاشت هنا، وجدتي مواطنة تركية من أصل شركسي، وأنا اسمي تركي، كان ذلك ربطا سياسيا ناجحا وذكيا، سر له الأتراك واستقبلوه بتصفيق واستحسان.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط" اللندنية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.