عاجل

البث المباشر

بدرية البشر

<p>كاتبة وقاصة سعودية، حاصلة على شهادة الدكتوراة من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكتبت العديد من المقالات في الصحف السعودية، وألفت كتبا ومجموعات قصصية</p>

كاتبة وقاصة سعودية، حاصلة على شهادة الدكتوراة من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكتبت العديد من المقالات في الصحف السعودية، وألفت كتبا ومجموعات قصصية

قميص المرأة

من أعجب الأمور التي حدثت في السعودية في شأن المرأة، أن من يدافع عن قرار بيع الرجال للمرأة ملابسها الداخلية هم من شيوخ الدين وأصحاب رؤى دينية، رافعين قميص الفضيلة والحشمة، ووحدهم السعوديون يقتنعون بمثل هذا المنطق، وهو المنطق نفسه الذي منع أن تقود المرأة مركبة في الشارع، بحجة أنها تختلط بالرجال، فيما وافق على اختلاطها مع رجل غريب، وأجلسها معه داخل هذه المركبة الصغيرة ليلاً ونهاراً، وهو نفسه الذي رأى أن جلوس الرجل خلف صندوق البيع في سوق تجارية حلال، بينما بيع المرأة فيها حرام.

استطاعت وزارة العمل منذ عامين، وبقرار من المقام السامي، أن تصدر قراراً يسمح للمرأة بالبيع في محال الملابس الداخلية، وانتعشت هذه التجارة بمكاسب زادت بنسبة ٣٠ في المئة بعد القرار، لكن هجمات المحتسبين ضد هذا القرار أيضاً في زيادة، إذ شاهدنا أول من أمس فرق المحتسبين تقتحم مكتب وزير العمل، لتبطل القرار، ما جعله يغادر مكتبه. هذه الفرق عادة لا تنشط إلا حين يتعلق الأمر بحق المرأة، عملها، تعليمها، ابتعاثها، انتخابها، مشاركتها في مجلس الشورى، حضورها محاضرة، توقيعها كتاباً، أما حين يتعلق الأمر بمعاش الإنسان ومصالحه الحقيقية، فإنك لن تجد هؤلاء إلا وهم يتقاسمون كعكة المكاسب، معتبرين أن للإسلام رؤى مختلفة في تخريج الأمر، ولو كان رباً صريحاً، فهم يجعلون من الواسطة شفاعة، ويحرفون مسار الفوائد البنكية، لتصب في بنوك يستفيدون هم من لجانها الشرعية.

هذه الفرق المحتسبة لم تتحرك عندما غرق 100 إنسان، وتشرد الآلاف، وهدمت بيوت في كارثة سيول جدة، التي لا يزال مسلسل ملاحقة الفساد في عامين يكشف عن تورط قضاة وكتّاب عدل ومسؤولي بلديات وتجار وأصحاب شركات كبرى، سرقوا الناس ثم هربوا. لم يدخلوا هؤلاء على وزير الصحة، ليحتسبوا عنده عندما كشفت هيئة مكافحة الفساد عن نهب للمال العام، تورطت فيه إدارة مستشفى كبير، صرفت 80 مليوناً لتنفيذ نظام معلومات آلي ولم تنفذه، وكشفت عن تشغيل أقارب المسؤولين فيه لزوجاتهم وقريباتهم، وتلاعب في ازدواجية صرف الرواتب لموظفيه، ولا حين مات شباب وأطفال بسبب أخطاء طبية تكررت في مستشفى شهير.

لم يتحرك هؤلاء ويذهبوا لوزير العدل حين كشف عن تزوير أرض تعادل مساحتها 60 مليون متر مربع في صك واحد بلغت قيمته السوقية ثلاثة بلايين كاملة، وتم تسجيلها برقم صك مطلقة، ليسألوا عمن تسبب في هذه السرقة؟ وأين وقفت تحقيقاتها؟ ومن المتورط فيها؟ ولا عن مصير القاضي الذي ارتشى بـ200 مليون، واحتج بأن جنياً أجبره على ما فعل؟ لم يتحرك هؤلاء حين كشف رئيس الغرف التجارية أن الزكاة المفترضة لرؤوس الأموال التجارية تقترب من تريليون ريال، فيما يعيش الفقراء في العشش وفي الجوع وفي التشرد، ولا يجد المرضى النفسيون مستشفيات لعلاجهم، ولا المتشردون مأوى يوفر لهم حياة كريمة. ولم يتوجهوا لسؤال المسؤولين عن وجود أثرياء سعوديين في بلادنا وصل عددهم إلى 1265، بثروة تقدر بـ230 بليون دولار، تزخر شركاتهم بالوافدين، فيما يبقى 1.5 مليون عاطل وعاطلة من العمل، ولم يدخل هؤلاء المحتسبون على وزير الإسكان ولا على مؤسسة الصندوق العقاري ليسألوهما عن سبب وجود 71 في المئة من سكان المملكة بلا سكن، بينما ثلثا مساحة العاصمة أراض بيضاء، وسعر المتر خارج النطاق العمراني يعادل راتب موظف حكومي.

هل هذه القضايا لها أصحاب اختصاص غير المحتسبين؟ أم أنها لا تدخل في مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى صار هذا المفهوم غامضاً عندنا عصياً على التعريف؟ هل هؤلاء مختصون فقط في شؤون القبض على المرأة؟

هؤلاء في الحقيقة لا يتحركون من أجل إحقاق الحقوق، بل من أجل انتزاعها، وتصوير أنفسهم حراساً، لكن على المرأة وجعلها رهينة، يعكس مدى تحكمهم بها وتمتعهم بالسلطة.

أخيراً أريد أن أذكّركم أن هذه الفرق المحتسبة ضد وزير العمل وضد عمل المرأة هي نفسها فرق الاحتساب التي مشت أميالاً، وسافرت لتقف بباب الملك سعود قبل ستين عاماً، لتطالبه بالوقوف ضد تعليم المرأة، ولو كانت الكاميرات صوّرتهم في ذلك الوقت لرأيتم الوجوه والسحن والمنطق نفسها، صحيح أن الزمن تقدم بشأن تعليمها، لكنه يعلق بهم مرة أخرى في شأن عملها، لكن بالقميص نفسه.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات