عاجل

البث المباشر

السيد ياسين

يشغل منصب مستشار لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وأستاذ علم الاجتماع السياسي في المركز الوطني للأبحاث الاجتماعية والعلوم الجنائية في القاهرة. شغل منصب مدير مركز الأهرام للدراسات بين عامي 1975 و1994 و منصب السكرتير العام لمنتدى الفكر العربي في الأردن بين عامي 1990 و1997.يحمل شهادة البكالوريوس من جامعة الإسكندرية عام 1957 وشهادة الماجستير من جامعة القاهرة عام 1962 في علم الاجتماع والعلوم السياسية. درس في جامعة ديجون بين عامي 1964 و1966 وفي جامعة باريس عام 1966

يشغل منصب مستشار لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وأستاذ علم الاجتماع السياسي في المركز الوطني للأبحاث الاجتماعية والعلوم الجنائية في القاهرة. شغل منصب مدير مركز الأهرام للدراسات بين عامي 1975 و1994 و منصب السكرتير العام لمنتدى الفكر العربي في الأردن بين عامي 1990 و1997.يحمل شهادة البكالوريوس من جامعة الإسكندرية عام 1957 وشهادة الماجستير من جامعة القاهرة عام 1962 في علم الاجتماع والعلوم السياسية. درس في جامعة ديجون بين عامي 1964 و1966 وفي جامعة باريس عام 1966

كيف يمكن مواجهة الانقسام السياسي؟

لسنا في حاجة إلي إثبات أن هناك في مصر المحروسة اليوم انقساما سياسيا خطيرا في نتائجه بين المعسكر الليبرالي اليساري الثوري والجبهة الإخوانية السلفية‏.‏

وبغض النظر عن محاولات الجبهة الإخوانية السلفية تزييف طبيعة الصراع السياسي بين الفريقين المتصارعين, بزعم أن الجبهة الإخوانية السلفية- كما رفعت شعاراتها في مظاهراتها الحاشدة- تدافع عن الشرعية والشريعة, وكأن الفريق المضاد لا شرعية له وأنه- أكثر من ذلك- ضد الشريعة, فمما لا شك فيه أن هناك أسبابا حقيقية أدت إلي هذا الانقسام الذي شق الشعب إلي تيارين متضادين.

ولعل أهم هذه الأسباب قاطبة السعي الدءوب لجماعة الإخوان المسلمين- متحالفة في ذلك مع حزب النور السلفي- إلي الهيمنة المطلقة علي مجمل الفضاء السياسي المصري بحيث لا تترك للأطياف السياسية المعارضة أي مساحة لكي تمارس السياسة فيها وفقا لتوجهاتها وقناعاتها.

حدث ذلك مباشرة بعد أن حصل حزب الحرية والعدالة الإخواني وحزب النور السلفي علي الأكثرية في مجلسي الشعب والشوري. وهذه الأكثرية وليست الأغلبية هي التي أغرت جماعة الإخوان المسلمين بالذات باعتبارها أكثر تنظيما من السلفيين ـ علي اختلاف تياراتهم- علي ممارسة نوع ذميم من غرور القوة! أرادوا أولا أن تكون غالبية أعضاء اللجنة التأسيسية لوضع الدستور من الإخوان والسلفيين, وبعد أن أبطل القضاء الإداري هذه اللجنة تشكلت لجنة أخري بالعوار القانوني نفسه مع بعض التعديلات التي تمثلت في إضافة بعض رموز الليبرالية إلي عضويتها.

ومع ذلك أصرت قيادة اللجنة الممثلة في المستشار الغرياني علي إدارة المناقشات بطريقة متعسفة لم تسمح للأعضاء من غير ذوي الاتجاهات الدينية بالتعبير عن آرائهم بحرية, أو قبول الاقتراحات التي قدموها. ولذلك انسحب العشرات من عضوية اللجنة, وبالتالي أصبحت شرعيتها مشوبة, مما أثر في الصورة المهتزة التي صدرت بها مسودة الدستور الخلافية التي لم تقبل من ملايين المصريين, كما أثبتت نتيجة الاستفتاء علي الدستور.

ومعني ذلك أن الدستور لم تصل نسبة قبوله إلي النسبة التي ينبغي ألا تقل عنها, وهي الثلثان علي الأقل من عدد الناخبين. وأيا ما كان الأمر, تستعد جماعة الإخوان المسلمين بعد إعلان النتيجة لتنفيذ الخطة الموضوعة التي تتمثل في ممارسة مجلس الشوري مهمة التشريع وهو المطعون في تشكيله, وذلك بعد تعيين الأعضاء التسعين بقرار جمهوري غالبيتهم من الإخوان والسلفيين والمناصرين للتيار الديني من أعضاء اللجنة التأسيسية.

ومعني ذلك أن هذا المجلس بغالبيته الإخوانية السلفية سيصدر تشريعات تحقق أهداف جماعة الإخوان في أخونة الدولة وأسلمة المجتمع, بغير معارضة كان يمكن أن تكبح جموح جماعة الإخوان المسلمين في استئثارها بوضع التشريعات التي ستؤثر حتما في الانتخابات البرلمانية القادمة مادام المجلس سيصدر قانون تنظيمها. وفي تقديرنا أن المشهد السياسي الذي يسوده الانقسام في الوقت الراهن وسواء سعت الجبهة الليبرالية بالوسائل الديمقراطية السلمية لإسقاط الدستور, أو في حالة قبولها له مرغمة ودخولها في الانتخابات البرلمانية القادمة, فإن الاستقرار السياسي اللازم للتقدم للأمام من الموقف السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي المتردي لا يمكن أن يتحقق إلا بتوافر عدد من الشروط الأساسية. أول هذه الشروط التي لها أسبقية مطلقة هو إعادة بناء مؤسسات الدولة الأساسية التي حاولت قوي متعددة وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين هدمها باتباع أساليب قانونية مرفوضة, أو تنظيم مظاهرات فوضوية تخريبية ضد المؤسسات القضائية وفي مقدمتها المحكمة الدستورية العليا.

والنموذج الأبرز لعدوان رئيس الجمهورية الدكتور مرسي علي استقلال السلطة القضائية هو المهزلة الخاصة بالسعي المتواصل الذي خاب لإقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود, مرة بتعيينه سفيرا بالفاتيكان حتي يغادر مجبرا موقعه, ومرة أخري بعد سحب هذا القرار المعيب بإيراد نص في الإعلان الدستوري الباطل ترتب عليه إقالة النائب العام. وأسوأ من ذلك كله تعيين نائب عام ينتمي فيما يبدو- إلي الإخوان المسلمين ورفض جموع القضاة ووكلاء النيابة هذا التعيين الباطل. وبعدما تقدم النائب العام الجديد باستقالته تحت ضغوط رفضه من جانب الهيئة القضائية عدل عن استقالته, وعاد من جديد ليمارس وظيفته بصورة غير شرعية, وليس من مكتبه المعتاد في دار القضاء العالي وإنما من مكتب فرعي للنائب العام في التجمع الخامس, هروبا من الوقفة المضادة له أمام مكتبه التي قامت بها جماعات من القضاة ووكلاء النيابة.

غير أن أخطر عدوان علي استقلال القضاء هو المظاهرات التي نظمتها جماعة الإخوان المسلمين ضد المحكمة الدستورية العليا ومحاصرتها ومنع قضاتها من دخول مبني المحكمة, في الوقت الذي كان يستفتي فيه الشعب علي الدستور. ومعني ذلك أن المحكمة العليا التي تحمي الدستور محاصرة وعلقت جلساتها إلي أجل غير مسمي, وفي الوقت نفسه يدفع الشعب دفعا إلي التصويت علي الدستور المعيب. لا مجال لمواجهة هذا الانقسام السياسي إلا بإعادة الهيبة والاحترام لهيئة الشرطة وللسلطة القضائية ومنع العدوان علي استقلال القضاء والتجريم الصريح للمظاهرات التي تحاصر المحاكم أيا كانت أو النيابات, لإرهاب القضاة ووكلاء النائب العام.

ومن ناحية أخري لابد من تشريع ينظم موضوع المظاهرات والاعتصامات حتي لو ارتفعت الشعارات المزعومة سلمية سلمية, وذلك لأنه في كل مرة لتجمع حشود جماهيرية هائلة لابد أن تتحول المظاهرة إلي دموية دموية في سياق لا تستطيع فيه قوات الأمن ولا حتي القوات المسلحة السيطرة علي هذه الألوف المزيفة. انظر مثلا للمظاهرات أمام قصر الاتحادية وكيف وقع فيها عشرات المصابين وانظر لحصار الجماعات السلفية الغوغائية لمدينة الإنتاج الإعلامي وإرهاب الإعلاميين والشخصيات العامة.

هل هذا سياق يمكن أن تمارس فيه الديمقراطية؟

وهل يمكن حقا في ظل حالة الاحتقان السائدة وبروز ميليشيات تمارس العدوان علي المعارضين القيام بالمهمة العاجلة في الاستقرار الأمني والسياسي تمهيدا لإنقاذ الدولة من الإفلاس الاقتصادي, والبدء في التحول التدريجي من السلطوية الخانقة إلي الديمقراطية بآفاقها المفتوحة؟

هذا نداء موجه لكل الفرقاء السياسيين. لقد أخطأتم جميعا وبلا استثناء في حق المصلحة العليا للوطن بالإفراط في حشد المظاهرات المليونية هنا وهناك بسبب ودون سبب ودون أي سيطرة عليها, وبالغتم- خصوصا جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين ـ في استعراضات القوة الغاشمة وهي ضد القيم الديمقراطية. وحانت الآن لحظة التوافق السياسي إن كنتم حقا تريدون الخير لمصر.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات