الثورة مستمرة

غسان العزي

نشر في: آخر تحديث:
من الطبيعي أن يكون العام الذي ينصرم أمام أعيننا صدىً للهزات التي ضربت العالم العربي في عام 2011 الذي شكّل منعطفاً في تاريخنا المعاصر . فالثورات الشعبية التي نجحت في تحقيق الانتقال السياسي في تونس ومصر وليبيا واليمن، في انتظار ما ستؤول إليه سوريا، ما تزال تعاني من صعوبات لتحقيق التحول الديمقراطي الذي قد لا يأتي قبل سنوات بل عقود . وقد جرت انتخابات في مصر أتت برئيس من الإخوان المسلمين الذين سبق أن وعدوا بعدم ترشيح أحدهم للرئاسة، وبعدم السعي للهيمنة على الحكم، لكن الرئيس مرسي يعاني الأمرين في ممارسة الحكم واتخاذ القرارات بسبب المعارضة الشعبية والسياسية له . وهذا ما يعد بالمزيد من عدم الاستقرار والخلافات السياسية في العام المقبل الذي سيشهد انتخابات لمجلس الشعب، في حال تمت الموافقة على الدستور الجديد . وفي تونس التي تنتظر الانتخابات ما تزال عملية التحول الديمقراطي تواجه العقبات على خلفية عجز الحكومة عن الوفاء بالوعود التي قطعتها للمواطنين، باعتراف الرئيس المنصف المرزوقي نفسه .

في ليبيا التي توقع لها كثير أن تسير في طريق الانشطار إلى دويلات ثلاث، حدثت الانتخابات من دون مشكلات تذكر، وأتت بمئتي نائب في مجلس مؤقت نجح هو الآخر في تعيين حكومة جديدة من خلال عملية اتسمت بالسلاسة، على الرغم من الخضات الأمنية بين الفينة والفينة . وعلى خلاف كل التوقعات فإن ليبيا لم تنقسم ولم تغرق في الفوضى المسلحة ولم تسقط في قبضة الإسلاميين المتطرفين .

أما اليمن فنجح في تطبيق الاتفاق الذي عرضه مجلس التعاون الخليجي مخرجاً للرئيس علي عبدالله صالح، وباتت الطريقة اليمنية نموذجاً يمكن أن تحذو سوريا حذوه، على سبيل المثال . ويبدو أن الرئيس هادي - مدعوماً من جيرانه العرب - يحاول إخراج البلاد بطريقة هادئة نسبياً من آثار العقود الثلاثة المنصرمة . أما المشكلات التي طالما عصفت باليمن السعيد مثل قضية الحوثيين والجنوب، أو وجود تنظيم القاعدة أو غيرها من المعضلات الاقتصادية والاجتماعية، فإن حلولها لن ترى النور في وقت قريب على الأرجح .

في سوريا بدأت الأمور في بدايات العام الماضي على شكل ثورة شعبية، سرعان ما تحولت إلى اشتباكات عسكرية راحت تأخذ شكل الحرب الأهلية أو الصراع الاقليمي والدولي على سوريا الدولة والبلد والكيان . واليوم إزاء رفض المعارضة الحوار مع بشار الأسد، ورفض هذا الأخير مغادرة السلطة أو تقديم الوعد بمغادرتها من ضمن حل سياسي متفق عليه، وفي ظل دعم روسي معلن للنظام ودعم أطلسي واضح للمعارضة، فإن سوريا استقرت في أتون حرب لا يعلم إلا الله متى وكيف تنتهي . هذا ما خبره لبنان في أواخر القرن المنصرم، حيث لم تنته الحرب إلا بعد اتفاق الأطراف الإقليمية والدولية على إنهائها .

في فلسطين تم تسجيل انتصارين على العدو “الإسرائيلي” هذا العام . السلطة الفلسطينية سجلت فوزاً سياسياً ومعنوياً لا لبس فيه، بانضمام دولة فلسطين إلى الأمم المتحدة مراقباً . لقد انتصر محمود عباس على كل الضغوط والتهديدات، لاسيما الأمريكية منها، وأصرّ على التوجه إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي عوضت عليه خذلان مجلس الأمن له بسبب الفيتو الأمريكي .

من جهتها غزة سطرت صموداً جديداً في وجه الآلة العسكرية “الإسرائيلية” ناهز الانتصار، وللمرة الأولى في تاريخ الصراع تصل صواريخ المقاومة الغزّيّة إلى “تل أبيب” نفسها، إضافة إلى قرى ومدن “إسرائيلية” كثيرة، ما أجبر نتنياهو على المطالبة بوقف إطلاق النار، بعد أن حشد عشرات الآلاف من جنوده استعداداً لاجتياح غزة . وهكذا يمكن القول إن عام 2012 كسر معادلة كانت قائمة منذ وقت طويل في الصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”، الأمر الذي سينسحب على طبيعة الصراع نفسه، في انتظار أن يدرس “الإسرائيليون” أسباب ومكامن ضعف القبة الحديدية التي فشلت في حمايتهم من صواريخ غزة .

في العام المذكور انتظر العرب نتائج انتخابات عديدة في العالم وعوّلوا عليها فلم تأت بجديد يذكر . أربع دول من أصل خمس كبرى في مجلس الأمن أجرت انتخابات لن يكون لها تأثير في الساحة الدولية: في روسيا استعاد بوتين مقعد الرئاسة الذي كان قد أعاره إلى ميدفديف، وفي الصين حدث التغيير الدوري (كل عشر سنوات) في سدة الدولة بسلاسة وهدوء، وفي الولايات المتحدة بقي أوباما في البيت الأبيض، ولكن من دون الزخم الذي أتى به في عام 2009 وفي فرنسا حل الاشتراكي هولاند محل اليميني ساركوزي في الإليزيه، من دون أن يؤثر ذلك في السياسة الخارجية الفرنسية التي ستبقى هي نفسها، كما كان واضحاً خلال الحملة الانتخابية .

في عام 2011 دخل العالم العربي في منعطف تاريخي من بوابة الثورات الشعبية . ولم يكن عام 2012 إلا صدى على شكل هزات ارتدادية لهذه الثورات التي ستبقى مستمرة في عام ،2013 ولو بأشكال متنوعة، وستبقى الملفات مفتوحة وأخطرها السوري الذي على نتائجه سوف يترتب الشرق الأوسط الجديد الموعود .


* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.