مخاوف إسرائيلية من جديد السياسة الأمريكية

محمد السعيد إدريس

نشر في: آخر تحديث:
النجاح الذي استطاعت الإدارة الأمريكية تحقيقه، بتوافق مع زعماء الكونغرس، يعد خطوة مهمة لتفادي “الهاوية المالية”، ومن شأنه تأجيل التخفيضات الحادة في الإنفاق على الأقل لمدة شهرين، حيث توصل كل من زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السيناتور هاري ريد وزعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي، إلِى اتفاق وقّعا عليه يوازن بين تخفيضات الإنفاق وزيادة الضرائب .

الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس يتركز على ما يريده الجمهوريون من زيادة الضرائب على المواطن الأمريكي كسبيل لحل الأزمة المالية الحادة، وهو ما يرفضه الديمقراطيون، ويرغبون في تخصيص شرائح الدخل العالية دون غيرها لرفع ضرائبها، وبالتحديد مَنْ يراوح دخلهم السنوي بين 250 ألف دولار وأربعمئة ألف، وهم الأكثر ثراء وتصل نسبتهم إلى نحو 2% من الأمريكيين، فالرئيس الديمقراطي باراك أوباما حريص على عدم زيادة الضرائب على الطبقة المتوسطة، كما أنه حريص أيضاً على تمديد قروض الضرائب للعائلات ذات الأولاد، وتمديد ضمان البطالة “لمليوني” أمريكي يبحثون عن عمل .

استمرار هذه الخلافات ربما يؤدي إلى عرقلة التوافق المشار إليه، وهذا يعني التعثر الاقتصادي بشكل قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية - اجتماعية شديدة الخطورة مردودها على السياسة الخارجية الأمريكية وعلى الأخص في إقليم الشرق الأوسط، سيكون شديداً على ضوء تطورين: أولهما الميول المتزايدة لدى الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى إجراء تحوّل في أولويات تركيز السياسة الخارجية الأمريكية من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى، حيث التنافس الهائل للزعامة الأمريكية في ظل توقعات الصعود الصيني القوي ليس فقط اقتصادياً، بل سياسياً وعسكرياً كمنافس قوي على الزعامة العالمية للولايات المتحدة بالتنسيق مع روسيا، وثانيهما أن إقليم الشرق الأوسط يمثل إشكالية استحقاقات صعبة أمام الولايات المتحدة وخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأزمة البرنامج النووي الإيراني، والأزمة السورية وتداعياتها الهائلة المحتملة، فضلاً عن استحقاقات أخرى سوف تترتب على الانسحاب الأمريكي غير المنتصر، على الأقل معنوياً، من أفغانستان والعراق، واستحقاقات تداعيات ثورات الربيع العربي .

تأتي الأزمة الاقتصادية الأمريكية المتصاعدة وتعقّد حسابات واشنطن في قضايا الشرق الأوسط لتزيد من تعّقد المسؤوليات الأمريكية، ولتفرض على الدول الحليفة للولايات المتحدة مراجعة حساباتها والدفاع عن مصالحها، وكانت “إسرائيل” الطرف الأكثر إدراكاً للخطر من التحولات المتوقعة في مواقف حلفائها من ناحية، وللتحديات الإقليمية المتصاعدة، لذلك كان أول من أعلن مواقف وتبنى سياسات إزاء الوزراء الجدد أو المرشحين في الإدارة الأمريكية الجديدة، وخاصة كل من السيناتور الديمقراطي جون كيري المرشح وزيراً للخارجية، والسيناتور الديمقراطي شاك هاغل المرشح وزيراً للدفاع .

ففي الوقت الذي حذر فيه الجنرال السابق عاموس يادلين رئيس مركز “دراسات الأمن القومي” رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق من أن “إسرائيل” تواجه “خطر خسران العالم”، و”أوصى بضرورة المبادرة إلى تبني خطة لإنشاء دولة فلسطينية في المناطق التي تقع خارج الحدود التي وضعتها “إسرائيل” لنفسها كدولة يهودية ديمقراطية تفادياً لهذا الخطر، كشفت صحيفة “هاآرتس” النقاب عن مداولات بدأت يوم الاثنين (24 ديسمبر/كانون الأول 2012) بين 50 من كبار المسؤولين في الخارجية “الإسرائيلية” لتقدير الموقف السياسي في إطار خطة لوضع وثيقة سياسية متكاملة بعد نحو أسبوعين تقدم لرئيس الحكومة ووزير الخارجية، وعرض رؤساء الفروع المختلفة تحليلاتهم للموقف الدولي “الإسرائيلي” في العام 2012 وتقديراتهم للوضع في العام الجديد 2013 .

في الوقت ذاته توالت المواقف والتقديرات “الإسرائيلية” إزاء الوزيرين المرشحين إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، وخاصة أن كيري وشاك هاغل يتفقان على أسبقية مبدأ الحوار في تحقيق أهداف أمريكا الخارجية، ويؤمنان بأن المفاوضات يمكن أن تحرز النجاح حيث يصعب إحرازه بالمواجهة .

نجحت هذه السياسة في العراق، وفي ليبيا بإقناع القذافي بالتخلي عن قدراته النووية، ومع الفلسطينيين بالتوقيع على اتفاق أوسلو، وينجح الآن مع مصر (الإخوانية) في القبول بالأمر الواقع الأمريكي - “الإسرائيلي” في سيناء، ما يرجح إمكان تغليب هذه الرؤية في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة، سواء إزاء أزمة البرنامج النووي الإيراني أو الأزمة السورية أو التداعيات المحتملة لثورات الربيع العربي في السنوات المقبلة، فضلاً عن إمكان تجديد فرص حل الدولتين بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والتصدي لسياسة التوسع الاستيطاني “الإسرائيلي” .

هذا التعرض النقدي لكيري وهاغل يكشف مدى التخوف “الإسرائيلي” من تحولات محتملة في السياسة الخارجية الأمريكية نحو “إسرائيل” في الولاية الثانية للرئيس أوباما، ونحو ملفات تراها “إسرائيل” حيوية لمصالحها، وخاصة الملف النووي الإيراني، والموقف الأمريكي عموماً من إيران ودورها الإقليمي المتزايد، وكذلك الترتيبات الأمريكية الخاصة بتداعيات الربيع العربي بما قد يؤثر سلباً في المصالح “الإسرائيلية”، وإدراك مدى عمق المأزق الذي يواجه الإدارة الأمريكية بين دوافع انسحابية (أفغانستان والعراق نموذجاً) ودوافع “انغماسية” بسبب ضغوط معاكسة بالعودة إلى التدخل، وعلى الأخص إزاء كل من أزمة البرنامج النووي الإيراني والأزمة السورية، وهو المأزق الذي يتفاقم في ظل ضغوط اقتصادية هائلة تفرض على الولايات المتحدة التحسب ألف مرة قبل أي قرار بالتورط في حرب أو أعباء جديدة في الشرق الأوسط الذي بات معرضاً ل”أفول” محتمل في ظل منافسة جاذبة لواشنطن نحو إعطاء الأولوية لمصالحها والمخاطر التي تتهدد هذه المصالح في الشرق الأقصى .

*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.