الإخوان والاستقرار

علي جرادات

نشر في: آخر تحديث:
كل نظام يعيش مأزقه حتى ينتج حفار قبره” . ولعقود أربعة خلت، تخللتها هبّات شعبية أُخمدت في مهدها، عاش النظام العربي مأزق إدخال المجتمع، (السياسي والمدني)، في وضعية قمع و”تجريف” قاسية، بدا معها كأنه أصبح مجتمعاً عاجزاً عن ولادة حوامل التغيير، لكن المفاجأة كانت كبيرة عندما أشعلت شرارة أطلقها الشاب التونسي “بوعزيزي” قبل عامين، نيران انتفاضات شعبية عربية عدة تحمل ب”القوة” إحداث تغييرات ثورية آتية بـ”الفعل”، إنما بتدرج فرضه غياب تنظيم سياسي قادر على قيادة هذه الانتفاضات، وتحويلها، بسرعة واستقرار، إلى إنجازات سياسية واجتماعية واقتصادية ملموسة، ما حول هذا الحدث الثوري إلى صراع مفتوح بين صانعه الفعلي، (الشباب)، وقوة منظمة أرادت تجييره لمصلحتها، (“الإخوان المسلمون”)، وتجاهلت أن الناس تصنع تاريخها في نهاية المطاف، وإن بتعرج، والتواء، وارتدادات كبرى للوراء، أحياناً .

وهذا ما حصل بالفعل . ففي مصر، (مثلاً)، دخلت القوتان الأكثر تنظيماً، (“الإخوان” و”الجيش”)، في تحالف اضطراري مؤقت شابته مناوشات محسوبة ومخططة، بينما ظلت القوة الثالثة، (القوى الوطنية و”الشباب”)، تعاني فرقة أطرافها، وضعف تنظيمها، وتأخر توحيد صفوفها على أساس ما بينها من قواسم مشتركة، ما أتاح ل”الإخوان” توظيف المطلب الشعبي بإنهاء “سلطة العسكر الانتقالية” لمصلحتهم، مع وعود، (نفتها الممارسة)، بعدم التفرد بالسلطة أو استخدامها أداة للسيطرة على مفاصل الدولة على طريق “أخونتها” . لم تلتقط القوة الثالثة، في الوقت المناسب المعنى البعيد لتقارب “الإخوان” مع “السلفيين”، داخلياً، ولتوطيد علاقتهم بالولايات المتحدة، والتهدئة مع “إسرائيل”، خارجياً . ظل المشهد المصري على هذا النحو من الارتباك والالتباس، لكن مناورة “الإخوان” لتمرير مشروع دستور غير توافقي ب”إعلان دستوري” نصب الرئيس المصري “حاكماً بأمره”، قطعت الشك باليقين، وأفضت، بعكس ما أراد “الإخوان”، إلى تشكيل “جبهة الإنقاذ الوطني” التي خاضت، (تحت شعار “للثورة شعب يحميها”)، أولى معاركها الفعلية مع “الإخوان” وظهيرهم “السلفي” .

على أية حال، انتهت معركة الاستفتاء على الدستور، لكن تداعياتها لم تتوقف، بل، وثمة ما يكفي من الدلالات على أن نجاح “الإخوان” في تمرير مشروع الدستور، قد أفضى إلى تنامي، وتنظيم، الوعي السياسي والشعبي المناهض ل”الإخوان”، ولمحاولاتهم إعادة إنتاج النظام السابق بحلة جديدة . إذ ثمة معنى كبير أن تكون نسبة الاقتراع على مشروع الدستور أقل نسبة اقتراع تشهدها مصر بعد انتفاضة 25 يناير، حيث قاطع الاستفتاء 68% ممن يحق لهم الاقتراع، بينما 64% من الذين شاركوا قالوا نعم، أي أن 20% فقط ممن يحق لهم الاقتراع وافقوا على مشروع الدستور . هذا ناهيك عن أن ثمة جزءاً مهماً ممن وافقوا، إنما وافق أملاً بالاستقرار الموعود، وليس دعماً ل”الإخوان”، بينما الذين قالوا لا لمشروع الدستور، إنما قالوها رفضاً ل”الإخوان”، وقناعة بعجز الدستور عن جلب الاستقرار، عدا أن جل المؤيدين كانوا من الريف، بينما الرافضون من المدن، وخاصة العاصمة، وأن المقاطعين هم أقرب، بلا ريب، إلى غير الموافقين على الدستور . ماذا يعني هذا الكلام؟

إقرار الدستور لن يعجز عن جلب الاستقرار، فحسب، بل، يفتح، أيضاً، باباً لطور جديد، وأشد، من الصراع بين “الإخوان” و”جبهة الإنقاذ الوطني” كتعبير سياسي عن مصالح قطاعات وفئات وكتل شعبية عريضة أوهمها “الإخوان” باستقرار ينفيه مضمون الدستور ذاته؛ وللتدليل، ليس إلا، نشير إلى:

1 في مادته الأولى يُعوم الدستور، بصياغة ملتبسة، الهوية العربية للدولة المصرية، ويساويها بامتدادها الإسلامي، بالقول: “مصر دولة ديمقراطية . . . وشعبها جزء من الأمتين العربية والإسلامية . . .” . هنا ثمة تعميقٌ للصراع ونفيٌ للاستقرار في آن .

2 رغم التوافق على المادة الثانية: “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع”، إلا أن “الإخوان” و”السلفيين” أضافوا المادة، (219)، التي تعرف مبادئ الشريعة الإسلامية ب”أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المُعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة”، ما يفتح، (بمراوغة)، على مذْهبة السياسة، خاصة مع إضافة المادة (4): “أخذ رأي هيئة كبار علماء الأزهر”، (أي ليس المحكمة الدستورية فقط)، لدى الحكم على مطابقة التشريعات مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ما يفتح، (بمراوغة)، على سلطة “ولاية الفقيه”، وبالتالي، على توتير الصراع الديني والمذهبي النافي للاستقرار .


3 في المادة العاشرة، وافق “الإخوان” و”السلفيون” على أن “المصريين سواء أمام القانون”، لكنهم رفضوا، بإصرار، إضافة “بمعزل عن دينهم أو مذهبهم أو جنسهم أو معتقدهم أو طبقتهم أو . . .” ما يعني رفضاً مقنعاً لمفهوم المواطنة، ما يجعل الحديث عن الاستقرار ضرباً من الخيال .

4 في المواد التي تتحدث عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أصر “الإخوان و”السلفيون”، (مثلاً)، على ربط الحد الأدنى للأجور بالإنتاج، وليس بالأسعار والأرباح، وعلى عدم تحديد حد أعلى لملكية الأراضي، وعلى رفْضِ إيراد نص يمنع تملّك الأجانب لها، وعلى جواز حل النقابات، وليس مجالسها الإدارية فقط، ما يعكس انحيازاً للأثرياء على حساب الفقراء الذين من دون إنصافهم يغدو الحديث عن العدالة الاجتماعية مجرد لغوٍ يفتح على تعميق الصراع الاجتماعي النافي للاستقرار .

5 في المواد التي تتحدث عن الحريات العامة والخاصة أصرّ “الإخوان” و”السلفيون”، (مثلاً)، على إضافة: “وتصون الدولة والمجتمع الأخلاق والقيم الأصيلة”، ما يجيز، بمواربة، ممارسة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، النافية للاستقرار، ولعل الهجمة الجارية على القضاة والإعلاميين مجرد مؤشر على أن ما هو قادم أشد وأعظم .

قصارى القول: بمناورات متلاحقة نجح “الإخوان” في تمرير دستور ملغم غير توافقي، بموافقة 20% فقط ممن يحق لهم الاقتراع، أي بموافقة 10% من المصريين عموماً، لكنهم بذلك، سيان يدرون أو لا يدرون، قد فتحوا الباب على صراع، ممتد، معقد، ومتعدد الأوجه والأطراف والمراحل والأشكال، لا يمنع استقرار مصر، فحسب، بل، وينتج “حفار قبر” سلطتهم، عاجلاً أو آجلاً، أيضاً . ففي هذا الدستور الملغم، عدا مناورات فرْضه، وممارسات التزوير الناعم للاستفتاء الشعبي عليه، ما يزيد الوعي السياسي والشعبي بأن مشروع “الإخوان” هو، فعلاً، مجرد إجابة خاطئة عن سؤال الثورة السياسي الاجتماعي الصحيح والمعقد في آن .

منقول عن "الخليج" الاماراتية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.