عاجل

البث المباشر

أوهام ثلاثية الأبعاد

بدأت عملي بالصحافة بوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، في عام 1977 وامتدت علاقة العمل لسنوات طويلة ،اعتدت خلالها على رؤية رئيس التحرير آنذاك الأستاذ محمد عبد الجواد، وهو يجري اتصاله المسائي اليومي بالرئيس الراحل أنور السادات ليطلعه على آخر المستجدات، فيما كان بعض الزملاء يعكفون على إعداد نشرة خاصة ليست للنشر، تتضمن أهم ما يخص الشأن المصري العام، كان يجري إرسالها يداً بيد إلى رئاسة الجمهورية، وقتها كانت الوكالة هي قناة مصر الرسمية للأخبار، وكما يبدو من اسمها فقد كان الشرق الأوسط كله منطقة اهتمام خاص لها، فيما كان يشير إلى عمق الهوية المصرية للوكالة، هو رمزها بالانجليزية

MENA(Middle East News Agency)

ومع ذلك - وربما بسببه- لاحظت منذ اضطلاع رموز جماعة الإخوان بمسؤولية الحكم في مصر، حضوراً غير مفهوم في الشأن المصري المحلي لوكالة الأنباء التركية الرسمية (الأناضول) التي أسسها كمال أتاتورك قبل اثنين وتسعين عاماً ، بدا معه وكأن ثمة هوية جديدة لمصر يجري صناعتها، أو أن ثمة حنيناً يستدعي زمن الخلافة العثمانية حين كانت مصر إحدى ولاياتها الكبرى.

قبل يومين شهد وزير الإعلام (الإخواني) صلاح عبد المقصود احتفالاً بتدشين المقر الإقليمي لوكالة الأناضول التركية بقلب القاهرة، فيما كان لمندوب الوكالة التركية برئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء حظوة يفضحها استئثارها حتى بـ «نوايا» الحكم قبل قراراته، على نحو بات يثير التساؤلات حول ما إذا كان تغيير هوية النظام الحاكم في مصر يستدعي بالتالي تغيير هوية الوطن برمته، فيضع «مينا» في سلال النسيان، ويستدعى العصر العثماني بكل تجلياته؟!

لكن زيارة غير معلنة قام بها للقاهرة قاسم سليماني قائد فيلق القدس جناح العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني، بصحبة وفد كبير ضم ثلاثة وعشرين شخصا، من بينهم قيادات تنظيمات شبابية بالحرس الثوري جاءوا ليلتقوا نظراءهم من شباب جماعة الإخوان، فجرت بدورها سؤالاً آخر عن السبب وراء تلك الزيارة التي أحيطت بالسرية وجرت بأحد فنادق العاصمة المصرية تحت حراسة مشددة من عناصر أمنية تتبع جماعة الإخوان، فالزائر الذي التقى قياديين كباراً بجماعة الإخوان مسئول عن تطوير حضور أمني إيراني يجري أحيانا تحت عناوين «اتفاقات تعاون» و» تبادل خبرات» لكنه ينتهي كما حدث في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين واليمن، بتأسيس أجهزة أمنية ومراكز جمع معلومات تابعة لسليماني تحت واجهات بعضها إنساني، كمراكز رعاية صحية واجتماعية، وبعضها تجاري كوحدات استيراد وتصدير..... الخ.

زيارة سليماني السرية للقاهرة، اعتبرها البعض سببا في إقالة وزير الداخلية المصري أحمد جمال الدين الذي اعترض على حضور أمني أجنبي، في غياب المسئول الأول عن الأمن الداخلي في مصر!!، بينما اعتبرها آخرون من المنتمين للجماعة «مكراً» إخوانياً محموداً، يستهدف التلويح بكارت إيران ،لدولة الإمارات التي تعتقل بعض من تقول أنهم قيادات للجماعة تعمل بشكل غير قانوني على أرضها.

غير أن محاولة لإلقاء نظرة على الصورة الكلية في المشهد المصري الراهن ، قد تنتهي إلى قراءة مغايرة، فالخلفية الفكرية للجماعة الحاكمة في مصر الآن، لا تؤمن أصلاً بفكرة الدولة، فهي تسبح في فضاء الأمة، وتحلم بخلافة إسلامية تؤسس هي لها، لكن هذه الجماعة وجدت نفسها على رأس «دولة» لم تقم مؤسساتها الكبرى الرئيسية على فكر الجماعة، ولم يجر إعدادها لتكون مؤسسات دولة خلافة، ولهذا فإن أحد أهم محددات التحرك الإخواني في مصر بعد إنجاز التمكين، هو إقامة مؤسسات وفق مقاييس دولة خلافة، لا وفق مقاييس وطن للمصريين،

في هذا السياق، تجري عمليات إنشاء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة المصرية العريقة، فيجري استهداف الأزهر (المؤسسة الدينية) بغرض السيطرة عليه، ثم يجري استهداف مؤسسة القضاء.

والآن بعد زيارة سليماني السرية للقاهرة، ثمة من يتحدث عن جهاز أمني موازٍ، لا تربطه أدنى صلة بجهاز الأمن التقليدي الذي لاحق رموز الجماعة عبر عقود مضت، وتأسست عقيدته الأمنية وفق عقيدة الدولة المصرية، منذ عهد محمد علي باشا وحتى الآن.

مؤسسة القضاء تجري إعادة هيكلتها وفق مصالح «الجماعة» ومؤسسة الأزهر تجري عملية ترتيب الأوضاع داخلها وفق رؤية « مشروع الخلافة « .. وما لا تجيزه القوانين، أصبح محصناً بموجب دستور وضعته.

لكن ما العلاقة بين خلفاء الدولة العثمانية( وكالة الأناضول) وبين ورثة الدولة الصفوية ( قاسم سليماني قائد فيلق القدس الايراني)؟! هل ثمة من يظن في الجماعة الحاكمة في مصر الآن، بإمكانية عقد حلف تاريخي بين خصوم التاريخ في فارس والآستانة؟!

التحالفات ثلاثية الأبعاد ، مثل صور الأفلام ثلاثية الأبعاد ، تحتاج الى نظارات خاصة، لا تتيح لك رؤية الحقيقة مجسمة، لكنها تجسد لك الأوهام على أنها حقائق.


*نقلاً عن "المدينة" السعودية
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة