في المراوحة الأميركية يموت السوريون

بيير غانم

نشر في: آخر تحديث:
لم يفاجأ الكثيرون من أن اجتماع جنيف خرج بدون إعلانات كبيرة فالأميركيون يعيشون في حالة مراوحة. أول أسباب المراوحة الأميركية، ولا عذر، هو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يعيد تشكيل فريقه الأمني ويستعد للدخول في ولاية ثانية، وسيأخذ الكونغرس وقتاً، ربما حتى أواخر شهر فبراير للموافقة على وزيري الخارجية والدفاع الجديدين وعلى مدير للسي أي إي.

في هذه المراوحة يُعطي الأميركيون روسيا وقتاً أيضاً لمحاولة معالجة الوضع السوري، فموسكو باتت مقتنعة بأن عليها فعل شيء قبل أن تنهار الدولة السورية بالكامل وقبل أن تنهار "الأجهزة الأمنية والعسكرية الحليفة" وخلال هذه الأسابيع من المحاولات الروسية ينتظر الأميركيون أن يقتنع الروس بشكل نهائي أن بشار الأسد انتهى وموسكو ستكون شريكاً كاملاً في إيجاد حلّ ينهي أربعين سنة من حكم الأسد.

هناك أسباب أهم تدفع الأميركيين للمراوحة، فهم لا يخفون تبرّمهم من الواقع الجديد في سوريا خصوصاً تمدد "جبهة النصرة" على عدة جبهات في سوريا، ويعتبر الأميركيون أن جبهة النصرة هي الوجه الآخر لـ"القاعدة في بلاد الرافدين" ولن يقبل الأميركيون في أي شكل من الأشكال أن تتجذّر الجبهة في سوريا ويريدون محاصرتها ومنع التسليح والمال عنها.

تمكنت جبهة النصرة من تحقيق إنجازات عسكرية على الأرض ضد النظام السوري، وتلقت أموالاً وتسليحاً وربما يكون تصاعد نجمها على الساحة السورية سبباً أساسياً في فرملت الأميركيين لمواقفهم وربما إعادة النظر في بعض حساباتهم.

في المقابل، عمل الأميركيون بثقة أكثر مع الجيش السورية الحرّ وسمحوا لمؤسسة داعمة له للعمل من العاصمة واشنطن وجمع أموال من متبرعين في أميركا وحتى شراء سلاح من السوق الدولية بهذه الأموال. لكن الأميركيين ما زالوا يطلبون من الجيش السوري الحرّ أن يُثبت أنه قادر على ضبط صفوفه وسلسلة القيادة فيه من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى.

أنتج الجيش السوري الحرّ منذ وقت قصير هيكلية قيادة متكاملة تتضمن قيادة خمس جبهات وتعمل تحت قيادة العميد سليم إدريس، وما يميّزها أن هذه القيادة معروفة بالأسماء والرتب والوظائف بما في ذلك فروع الاستخبارات والعتاد. وقضية العتاد تحمل أهمية خاصة لأن الأميركيين رفضوا حتى الآن تزويد الجيش الحرّ بأي عتاد مخافة أن يقع بأيدٍ "غير آمنة".

بعد شهر من إنهاء الهيكلية العسكرية للجيش الحرّ ما زال الأميركيون يعارضون التسليح والسبب إنهم يشككون بهذه الهيكلية ويعتبرون أنها على الورق أكثر منها على الأرض ويشككون في انضباط الجنود والضباط تحت قيادة مناطقهم وتحت القيادة العليا للعميد سليم إدريس ويعتبرون أن الجيش الحرّ ما زال مفتتاً.

تسرّبت معلومات من مصادر المعارضة السورية في واشنطن تقول أيضاً إن الأميركيين طلبوا من الأتراك ضبط الحدود أكثر مع سوريا والتأكد أن السلاح لا يتدفق إلى الداخل خصوصاً السلاح النوعي وهم نجحوا في ضبط السلاح النوعي لكنه من الصعب عليهم ضبط السلاح الفردي وتهريبه إلى الداخل.

أما المقايضة بين الأتراك والأوروبيين والأميركيين فجاءت على أساس اتفاق إرسال صواريخ باتريوت وبطاريات الصواريخ إلى الحدود التركية مع سوريا، فقد طلب الأوروبيون والأميركيون من أنقرة، حليفهم الأطلسي، ضبط الحدود في محاولة أولى للتحكم بالداخل السوري ومن أقوى مِن مَن داخل الحدود.

في هذه المرحلة من المراوحة يموت السوريون بالعشرات وبالمئات وبالآلاف بانتظار تغيير المعادلات.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.