وأخيراً المرأة في مجلس الشورى

محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:
أعلن يوم أمس الأول الجمعة عن تغيير نظام مجلس الشورى، لتصبح المرأة عنصراً رئيساً في تشكيله، ثم تم اختيار ثلاثين امرأة من ذوات الاختصاص والخبرة والتجربة ليشاركن الرجل في أهم مجلس استشاري سعودي يقوم بصناعة التشريع في البلاد.

هذه الخطوة تحمل الكثير من المؤشرات، أهمها أن مسيرة التنمية البشرية في المملكة تسير في الاتجاه الصحيح، وأن مشاركة المرأة في صناعة القرار التنموي، رغم ما يثيره البعض من عقبات وعوائق، وإقحام الحلال والحرام (كالعادة) في الموضوع، تحققت كإنجاز يُحسب من منجزات تاريخ الملك عبدالله التنموي؛ فلا يمكن عقلاً ولا منطقاً أن تسمح بتعليم المرأة في الداخل وتبتعثها للدراسة في الخارج، وتسمح لها بالتخصص في كافة المجالات، وفي النهاية تمنعها، أو تضيق عليها الفرص لأن تعمل وتبحث عن رزقها وتشارك في تنمية بلدها مثلها مثل الرجل؛ وعندما تشارك المرأة في أعلى هيئة استشارية في الدولة كمجلس الشورى، تضطلع بالمشاركة في صناعة الأنظمة والقوانين، وكذلك الرقابة - ولو جزئياً - على السلطة التنفيذية، يُصبح مشاركتها في ما دون ذلك من أعمال عامة وخاصة مُتيسرة؛ بمعنى أن التوجه نحو مشاركة المرأة في العمل جاء هذه المرة من الأعلى ليتجه إلى المستويات الأقل، أو المستويات الإدارية الموازية، وكلنا أمل أن تشارك المرأة مستقبلاً في السلطة التنفيذية من خلال تعيين وزيرات في الحكومة، مثل أي بلد أخرى؛ حيث إن مشاركتها في مجلس الشورى سيجعل قراراً كهذا مستقبلاً ممكن التحقيق.

ومن يرصد التغيرات الاجتماعية والتنموية في المملكة سيجد أن قرار إشراك المرأة في مجلس الشورى، الذي اتخذه الملك عبدالله قبل قرابة السنة ونصف، وتم تنفيذه فعلياً في التشكيل الأخير، مرَّ بهدوء وسلاسة ودون أن يحدث ما كنا نتوقعه من رفض من قبل التيار المتشدد، أو تيار الممانعة كما يسميه البعض، ما يؤكد أن مجتمعنا بدأ في تقبل مثل هذه التغيرات التي كنا نعدها في يوم ما ضرباً من ضروب المستحيل؛ ولعل قرار قيادة المرأة للسيارة الذي انتظرناه طويلاً أصبح الآن ممكن التنفيذ؛ فليس من المنطق أن تشارك المرأة الرجل مشاركة تامة ومتساوية في الحقوق والصلاحيات في صناعة القرارات التشريعية في المملكة، وفي الرقابة على السلطة التنفيذية، وتمنع من قيادة السيارة.

إن قراراً كهذا القرار، ومثله قرار السماح للمرأة بالعمل في القطاع الخاص والعام وفق الضوابط التي تحددها الشريعة الغراء، سيخلصنا شيئاً فشيئاً من (خرافة) اختلقها البعض، وصدقها كثيرون، ومؤداها أننا مجتمعاً له (خصوصيته) ما يجعلنا نختلف عن كل شعوب الأرض، مسلمين وغير مسلمين، وهذه الخرافة عانينا منها ومن تبعاتها كثيراً، حتى أصبح البعض يتعامل وكأننا مجتمع ملائكة لا يخطؤون ولا يعصون الله ما أمرهم؛ أو أنه يتعامل على اعتبار أن (ضوابط) عمل المرأة في مجتمعاتنا يجب أن ترتقي لاقتلاع أي احتمال ولو كان ضئيلاً من شأنه أن ينحرف بالرجل قبل المرأة إلى المحرم أو المكروه؛ فتم مصادرة كثير من حقوق المرأة كي يبقى الرجل في معزل عن الحرام أو حتى اللمم وصغائر الذنوب؛ فلا تُغريه المرأة بممارسة الفعل الحرام ولو كان لمما.

إن هذا القرار التنموي الذي صدر قبل قرابة السنة والنصف وتم تفعيله يوم أمس الأول (الجمعة) هو قرار تاريخي بامتياز، يُزين سيرة رجل التنمية الأول الملك عبدالله بن عبدالعزيز، مثل ما زيّن قرار تعليم المرأة تاريخ من سبقوه من ملوك.

*نقلا عن صحيفة "الجزيرة" السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.