جنة الألتراس

حمدي رزق

حمدي رزق

نشر في: آخر تحديث:
حذر الحكم، ستقف مصر اليوم على أطراف أصابعها، حكمت المحكمة، قول الفصل الذى كنتما فيه تختلفان، فلتعدم من تعدم، ولتسجن من تسجن، الحكم عنوان الحقيقة، أما الحقيقة فعلمها عند علام الغيوب، فلنرض بالمكتوب فى حيثيات الحكم، وعلى المتضرر اللجوء إلى محكمة النقض، أو يحتسب أمره لله، القصاص هو ما يترجاه ألتراس أهلاوى، والعدالة هى ما يترجاه ألتراس بورسعيدى، والنجاة من حرب أهلية لن تبقى ولن تذر هى ما يتمناه المصريون.

قبل أن تُسن السكاكين لتقطيع جسد الألتراس المتمرد العنيف، فلنتريث قليلا، الألتراس ليس عصابات من قطّاع الطرق وإن قطعوا الطريق، وليسوا فئة ضالة وإن ضلوا جادة الطريق، وليسوا بلطجية وإن قذفوا بالحجارة، الألتراس كما نعرفهم، شباب زى الورد المفتح، شباب خرج على بكرة أبيه فى كل المحافل الوطنية الرياضية، غيَّر وجه الكرة فى مصر، لوّن المدرجات بالدخلات والأغانى والأهازيج، قطع الفيافى يحمل علم مصر.

لم يتأخروا عن واجب وطنى، وعندما وجدوا أن ثورتهم تحتاج إلى مساندة تحولوا إلى أسود جسورة للذود عن المتظاهرين العزل أمام جحافل موقعة الجمل، كانوا رجالة ووقفوا وقفة رجالة، وحموا مسيرة الثورة قبالة المتحف المصرى، بين صفوف الألتراس شهداء، وبعد أن أتموا المهمة تركوا الميدان لأصحابه الأصليين من الثوار الحقيقيين، وعادوا إلى المدرجات بشعاراتهم السياسية التى توقظ الغافلين عن مستقبل ثورتهم.

تفلت بعض شباب الألتراس، ونزق نفر منهم فى قطع الطرقات وخط المترو، وما يهددون، من حرقة القلب، قلوبهم الخضراء صارت رماداً، يبكون بدلا من الدموع دماً، على أصدقاء سكشن، ورفاق مدرج، وصداقات بريئة، وضحكات جريئة، مناجل الموت الأسود فى يوم أسود ما طلع له نهار ذبحت الورد، واسودت الدنيا فى عيون ضاحكة، شابوا وهم صغار، بكوا وهم فى عمر المرح، وانتحبوا على القبور، غادروا سنوات المرح إلى سنوات الغضب، غضب عارم فى الصدور، يتفزعون فى نومهم من هول ما شاهدوا بأم أعينهم، رفاقهم يقتلون، ويلقون من فوق المدرجات باحترافية قتلة مأجورين أقسموا ليصرمُنَّها «جنة الألتراس» مصبحين ولا يستثنون إلا من رحم ربى وكتب له عمر جديد.

الألتراس ليسوا مجانين ولا مهاويس، أصحاب ثأر حقيقى، ويطلبون القصاص، مشكلة الألتراس أن البعض من البداية قرر إدانتهم، وإشانة سمعتهم، مرة بالمخدرات ومرة بالبلطجة، وكل مرة يثبت الألتراس أنهم ولاد ناس، والرقم الصعب فى مسيرة الثورة المصرية، وقبلها الكرة المصرية وتعمقت المشكلة بقطيعة بين إدارات الأندية التى يحمل الألتراس قميصها، حاولوا استخدامهم انتخابيا، كذلك فعل الإخوان المسلمون ولكن الألتراس أبى وكان من الرافضين.

أزمة الألتراس أن لا أحد قرر التفاهم مع شبابهم، لا أحد جلس إليهم للتفاكر بغية تحويل تلك المنظمة الشبابية العفوية إلى طاقة فاعلة ومؤثرة مجتمعياً، على الأقل بعد الثورة التى أبلى فيها الألتراس بلاء حسنا، الكل أهمل الألتراس عامدا متعمدا، فقط تعاملوا مع الألتراس على أنه ظاهرة كانت كروية، وصارت عصية، نسوا أو تناسوا أن الألتراس هم من شباب الثورة، شباب فتىّ ثائر جامح غير منفصل عن مجريات الأحداث فى الوطن، تركوهم فى خلاء الوطن يلهون، ظنوا أنهم يعبثون، فخرج عليهم الألتراس غاضبين، فاستنكروهم، وكبحوهم، تفلتوا منهم وراوغوهم وجروهم إلى ملعبهم، وهم لا يفقهون.

*نقلا عن "المصري اليوم"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.