يناير 2011 يناير 2013، مصر إلى أين؟

عقل العويط

عقل العويط

نشر في: آخر تحديث:
بين يناير 2011 ويناير 2013، جرت مياهٌ كثيرة في مصر، أطاحت مَن أطاحت، ورفعت مَن رفعت، لكنها لم تستقر، بعد، على حال، ولم يطمئن لها بال. فها هي الثورة وقد آل أمرها إلى الإسلامويين والظلاميين، بعدما سُرِقت من أيدي الشباب والناس الأحرار، المدنيين والليبيراليين، الذين أيقظوا ينابيعها وأشعلوا نيرانها في هشيم النظام الديكتاتوري البائد. الآن، أين هي مصر؟ وإلى أين؟

ما أشبه "أمّ الدنيا" برؤى نجيب محفوظ، برواياته، بأبطاله وناسه وأمكنته ولغته. فهو كاتبها الأول، ومصوّر عوالمها المرئية وغير المرئية، متسللاً بهدوء وذكاء ونفاذ وتبصر، إلى جوانياتها المجتمعية، وما يعتمل فيها، من تناقضات وأحوال.

من بين هذه الروايات والعوالم، قد يكون من المناسب إلقاء الضوء على عيّنةٍ منها، ذات دلالة، مجسَّدةً في "المرايا"، لأنها أكثر ما تكون تعبيراً عن اللحظة المصرية الراهنة، التي يشتد فيها الصراع بين المدنيين الليبيراليين والإسلامويين المتشددين. بطل الرواية، أعني أحد أبطالها، هو الوفدي السابق عبد الوهاب اسماعيل الذي صار إسلامياً. فمَن هو هذا الرجل؟ قرّاء نجيب محفوظ، وخصوصاً قرّاء كتابه "المرايا"، الصادر عام 1972، من شأنهم أن يكشفوا النقاب عن هوية الرجل وشخصيته. أما القرّاء في العموم فقد لا يكون في مقدورهم أن يعرفوا مَن هو، ولا ما هي مكوّنات تفكيره وآرائه ومواقفه وتحوّلاته في أمور الحياة الدنيا والآخرة.

هو اسم مستعار، اختاره نجيب محفوظ ليؤدي دور أحد أبطال كتبه، كنايةً عن الأديب والمفكر الإسلامي سيد قطب، وعن التحولات التي طرأت على تفكيره، من بدايته شخصاً نقدياً متنوّراً إلى صيرورته إسلاموياً أصولياً لا يرى من حلّ للمشكلات إلا بالإسلام. في الواقع التاريخي، كان سيد قطب في أول مشواره وفدياً ليبيرالياً، فأضحى إسلامياً متطرفاً. مثله عبد الوهاب اسماعيل، بطل الحكاية، الذي أُدخِل إلى السجن عند المواجهة الأولى بين "الإخوان" والحكم الناصري.

"كان في الثلاثين من عمره،" يقول نجيب محفوظ عن بطله، "يعمل مدرّساً للغة العربية في إحدى المدارس الثانوية، وينشر أحياناً فصولاً في النقد في المجالات الأدبية أو قصائد من الشعر التقليدي، كان أزهرياً، لا علم له بلغة أجنبية، ومع ذلك أثار اهتمامي واحترامي بقوة منطقه وهو يناقش أشخاصاً من المعروفين بثقافتهم الواسعة واطلاعهم العميق على اللغات الأجنبية".

لكن، كيف أصبح عبد الوهّاب اسماعيل "إخوانياً"؟ ينقل نجيب محفوظ في كتاب "المرايا" نفسه، حواراً بين بطله الليبيرالي الدكتور ماهر عبد الكريم، وبطله الإسلاموي عبد الوهاب اسماعيل، يعكس وجهة نظر هذا الأخير إلى غير المسلمين. يذكر ماهر عبد الكريم "كاتباً قبطياً شاباً أهدى إليه كتاباً له يحوي مقالات في النقد والاجتماع"، وأنه عندما التقى "زميله" في الرواية عبد الوهاب اسماعيل، طرح عليه السؤال الآتي: "متى تكتب عنه؟". ابتسم بطلنا الإسلاموي "ابتسامة غامضة" وأجاب: إنتظر وليطولنّ انتظارك"، مضيفاً: "لن أشترك في بناء قلم سيعمل غداً على تجريح تراثنا الإسلامي بجميع السبل الملتوية". سأله الدكتور ماهر: "أأفهم من ذلك أنك متعصب؟". فأجابه: "لا تهددني بالكليشيهات فإنها لا تهزّني (...). لا فائدة من مناقشة وفديّ في هذا الموضوع، وقد كنتُ وفدياً ذات يوم، ولكني أصارحك بأنه لا ثقة لي في أتباع الأديان الأخرى".

كان عبد الوهاب اسماعيل قد زُجّ به في السجن "عند أول صدام بين الثورة والإخوان"، على ما يقول نجيب محفوظ، وقد حُكم عليه بعشر سنين حبساً ليغادر السجن بعدها. ذهب إليه محفوظ ليهنئه بخروجه، فخاض معه الرجل حواراً صريحاً، هذا ملخصه، كما جاء في "المرايا": "يجب أن يحلّ القرآن مكان جميع القوانين المستوردة"، "على المرأة أن تعود إلى البيت، لا بأس من أن تتعلم ولكن لحساب البيت لا الوظيفة، ولا بأس من أن تضمن لها الدولة معاشاً في حال الطلاق أو فقد العائل"، "الاشتراكية والوطنية والحضارة الأوروبية خبائث علينا أن نجتثّها من نفوسنا"، "لدينا رسالة الإسلام وعبادة الله وحده"، و"لا رسالة علمية نقدمها للعالم".

اليوم، أطاح النظام الإسلامي الجديد، الذي استتبّ أمره في مصر، كل القوانين "الوطنية" و"المستوردة"، ومنها تراث مصر العظيم، في الثقافة والإبداع، وفي التنوع الاجتماعي، وفي التأويل الفكري والاجتهاد العقلي، وفي التبصر النهضوي والتنويري والنقدي. فقد أحلّ "المرشد الرئيس" الدكتور محمد مرسي، الشريعة الإلهية محلّ الشريعة البشرية، فأعلن دستوراً استبدادياً جديداً، جيّش لإقراره وتثبيته، الغرائز والأموال والترهيب والترغيب، ليكون دستوراً يدبّر شؤون المجتمع والناس والدولة، وطلب من المصريين، مدنيين وعسكريين، مؤمنين وليبيراليين وعلمانيين، يمينيين ويساريين، أن ينصاعوا إلى "أمر اليوم" هذا، باعتباره أمراً إلهياً، وفتوى لا نقاش فيها.

يذهب الحكم الجديد بمصر إلى الليل السياسي والاجتماعي والديني، المظلم الدامس، وإلى الاستبداد الجديد باسم الدين، وهو المرآة الخلفية للاستبداد البائد، مهدِّداً الحياة نفسها بالويل والثبور وعظائم الأمور، رافعاً سيف الشريعة، آخذاً برقاب الناس، غير آبه بتراث مصر المدني، ولا بقيم الديموقراطية وحرية التعبير والفكر والتعدد والتنوع والرأي الآخر، مثيراً الهلع الفكري والاجتماعي والثقافي والديني، مؤلّباً المصريين بعضهم ضد البعض الآخر، المتزمت ضد الليبيرالي، المسلم ضد المسيحي، المديني ضد الريفي، المدني ضد العسكري، مصادِراً مصر، بأنوارها وتراثاتها وكنوزها ونهضاتها، معرّجاً على أهراماتها وآثارها وتماثيلها وأنصابها وفنونها وآدابها، جاعلاً إياها رهينةً في أيدي جماعة "الإخوان المسلمين" والسلفيين من كل حزب وجنس.

مصر، بعد سنتين من الثورة، إلى أين؟

هذا السؤال يجيب عنه المصريون، أحرار مصر، شبّانها وشاباتها خصوصاً، ومعهم أحرار العالم العربي، إلى أن تنقشع غيمة العماء الديني والسياسي، وتستعيد مصر الحرة والطليعية ذاتها، فتعود أمّ العالم العربي، بل أمّ الدنيا.

*نقلا عن "النهار" اللبنانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.