عاجل

البث المباشر

التعاون العربي التركي ضرورة أم موروث مشترك؟

اشترك العرب والأتراك في إرث حضاري مشترك دام لأكثر من ستة قرون عمر الخلافة الإسلامية العثمانية، وبحالة موحّدة ضمن منظومة إدارية واحدة، اندمج فيها كل الأعراق المشكّلة لمجتمع الدولة والوطن المسلم الواحد من أبواب صنعاء حتى أسوار فيينا، وامتدت السلطة العثمانية نحو الغرب ابتداءً من دول البلقان حتى وسط أوروبا، وأوقف هذا الفتح الإسلامي غدر الصفويين وتحالفهم السرِّي مع ملك النمسا والمجر لإيقاف جيش سليمان القانوني محاصراً لأسوار العاصمة النمساوية فيينا، وتراجع جيش المسلمين الفاتح من أوروبا، تلبية لنداء أهل بغداد ومعاناتهم من بطش جيش عباس شاه ملك الفرس الصفوي، الذي حوّل جامع أبي حنيفة النعمان لأسطبل لخيوله الغازية، وتم للخليفة القانوني طرد الفرس الصفويين من بغداد السلام وعودتها إلى أهلها تحت مظلّة الخلافة العثمانية الإسلامية.

وفي القرن الأخير من عمر الدولة العثمانية تقاطر عليها العديد من جواسيس الغرب الطامعين بثروات ممالكها، ودخلوا تحت مسمّى «المستشرقون»، وهم في الحقيقة بمثابة الميكروبات البشرية التي اخترقت جسم الدولة العثمانية، ليحوِّلوها كما أسماها معظمهم بـ «الرجل المريض»، وانقضّوا عليها من خلال حرب أممية «الحرب العالمية الأولى»، لينهوا الخلافة الإسلامية ويسقطوا عاصمتها «إسلام بول»، ويوقِّعوا اتفاقية الفراق العربي التركي تحت مسمّى «سايس بيكو»، التي حوّلت الأُمّة العربية إلى دول عربية بلغت الآن أكثر من عشرين دولة ..

ومع اليقظة الأخيرة للأُمّة التركية وإدراكها للعامل الأجنبي المعادي لكل تقارب إسلامي، وظهور وجهها الحقيقي المتجه نحو الشرق العربي، ماداً يده بالسلام والمحبة والرغبة الخالصة للتعاون من أجل خير الشعبين الشقيقين العربي والتركي، مستنداً لحركة مستمرة من الحوار الخير المبارك بين مؤسساته الثقافية والاقتصادية تحت شعار «نتعرّف ونعرف»، لنصل إلى حالة مستقرة من التلاحم الشعبي ونزيل مجتمعين كل ترسُّب ضبابي في تاريخ الأُمّتين العريقتين الممثلتين لساعدي الأُمّة الإسلامية.

وفي عالمنا الحالي المتسارع في أحداثه الإقليمية والدولية والذي أفرز العديد من الكتل والمحاور السياسية، والتي تعتمد في عمقها السياسي على تسخير المذهب الديني كوسيلة برغماتية ميكافيلية، للوصول إلى التوسُّع الجغرافي والمد العقائدي والتغلغل في مجتمعاتنا العربية، ولابد من مجابهتها بالتعاون الصادق بين الأشقاء الأصدقاء من أجل الوقوف موحّدين القرار السياسي، ومعتمدين على التكامل الاقتصادي لتوثيق العلاقة الوطيدة بين الشعبين العربي والتركي، والتي أساسها الأخوّة والثقة والمنافع المشتركة بكل وضوح وشفافية، مطمئنين القريب قبل البعيد بعدم اتجاهنا نحو الأحلاف والمحاور السياسية، بل نعتمد على الحوار الدائم من أجل وحدة القرار المشترك اتجاه كل الأحداث والمخاطر المعتمدة على الأطماع الإقليمية والدولية، ومن أجل توثيق هذا التعاون المشترك بين الأُمّتين العربية والتركية، تم مؤخراً نموذج للحوار بين نخبة من المفكِّرين والاقتصاديين ورجال الإعلام «هيئة الحوار العربي التركي»، وهدفها التعريف للفكر والثقافة التركية لأبناء الأُمّة العربية، وبالمقابل عرض الأفكار والرؤى العربية للأشقاء الأتراك وللوصول إلى حالة متطابقة من التلاحم والتعاون بين الشعبين العربي والتركي في هذه الفترة الزمنية الملائمة، لغرس أُسس المحبة والتعاون، والوصول للرأي المشترك الواحد لمنفعة الأُمّتين الشقيقتين.


*نقلاً عن "الجزيرة" السعودية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة