عاجل

البث المباشر

حمزة بن محمد السالم

كاتب سعودي الجزيرة

كاتب سعودي الجزيرة

الديمقراطية المصرية وورطة فتوى الربا

العلماء المجددون، ما لم تنصرهم الدول، فلن يكون لكفاحهم أثر في حياتهم. فليس هناك تجديد ولا تصحيح للدين ما لم تسانده دولة. ومن أقرب الأمثلة على هذا شيخ الإسلام بن تيمية. فما كانت تجديدات شيخ الإسلام لتظهر لولا أن الدولة السعودية تبنت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي ما هي إلا إحياء للجانب العقائدي في منهج شيخ الإسلام. وما كانت فتوى شيخ الإسلام بعدم وقوع البينونة في الطلاق الثلاث لتصبح هي المعتمدة اليوم وقد أجمعت الأمة على البينونة من قبله لولا أن تبناها الشيخ عبد العزيز بن باز وساندته الدولة السعودية.

وجاءت الديمقراطية في مصر بأغلبية حاملي شعار الإسلام هو الحل فتورطوا عندما كشف مخالفيهم ومعارضيهم عن المسكوت عنه بين الفقهاء عندما يتعلق الأمر بالدولة وبالأثرياء وأهل النفوذ. فقد تناول برنامج الحدث المصري الذي قدمته القناة العربية موضوع القروض بين الحلال والحرام، وذلك بمناسبة نية اقتراض مصر بالفوائد من الصندوق الدولي ومن دول أخرى. ولإضفاء الصبغة الدينية على النقاش، فلم يأت البرنامج بضيف من المعارضين بل اكتفى من المخالفين بالمتحدث باسم الدعوة السلفية -المهندس عبد المنعم الشحات- ومن الموافقين بمفتي جماعة الإخوان المسلمين -الدكتور عبد الرحمن البر-. فأما المخالف وهو المتحدث باسم الدعوة السلفية فلم يزد على أن يكرر بأن الإجماع حاصل على أن أي زيادة على الأصل هي ربا. وهذا قول ساذج مقاصدياً وتطبيقياً وخاطئ شرعاً وكان يكفي لمقدم البرنامج أن يفحمه بأن يواجهه بأن هذا خلاف فعل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي استقرض البعير بالبعيرين والثلاثة كما هو خلاف كثير من أقوال علماء المذاهب وخلاف قول أكبر علماء السلفية في السعودية وهم بن إبراهيم وبن باز وبن عثيمين الذين أجازوا تبادل الشيء بجنسه مع زيادة بسبب الزمن كمتر قماش بمترين من نفسه بعد سنة. ولو واجهه بذلك لأظهر للناس مدى ضحالة علم من يدعي أنه من العلماء أو يتحدث باسمهم وينقل إجماع، الجمهور على خلافه. ويا ليت لو واجه مقدم البرنامج مفتي الإخوان بأنه ما فتئ أن سلك مسلك الكنيسة بتبرير أفعال الدولة وتجريم نفس الفعل إذا كان من عامة الناس.

فتاوى أئمة علماء السعودية بعدم وقوع الربا في الشيء بنفس جنسه بزيادة وأجل ما لم يكن من الأصناف الستة أو ما يقاس عليها بعلة صحيحة -كمتر قماش بمترين من نفس القماش بعد سنة- قد أسكتت الرد عندنا على القول بعدم ربوية النقود. ولولا هذه الفتاوى لتحدث كثير ممن يدعي العلم بعموميات وشرق وغرب وخلط وجمع. وما بقى لهؤلاء، مع الجهل وتعود الناس، إلا التلبيس بعلة الثمنية التي يلحقون بها نقود اليوم بالذهب والفضة وهي علة باطلة إجماعا فهي قياس فرع على أصل ليس موجود فيه هذه العلة. فالذهب والفضة لم يعودا أثمانا اليوم، كحلة الخمر إن لم يعد مسكراً. ولهذا لم يتقدم عالم معتبر بالرد على عدم ربوية النقد اليوم في ضوء الطرح الجديد للوضع الجديد المستمد بلا ضبابية من الكتاب والسنة والمتضمن شرح المقاصد والواقع الموافقة للنصوص الشرعية المتفق عليها في مسألة الربا، والمتلخص كله بوضوح في مقالاتي الستة المتسلسلة قبل ثلاثة أشهر عن طلب الفتوى والتوضيح في هذا الطرح من سماحة المفتي.

ورطة الفتوى بربوية النقود ستلاحق الرئيس المصري محمد مرسي ليس فقط في قروض الدولة بل في النظام الاقتصادي كله وفي البنوك والسوق المالية المصرية. فهو سيواجه المخالفين والمعارضين بأن شعاره الذي يحمله «الإسلام هو الحل» شعار دعائي ليس للتطبيق. فماذا لو حاول الرئيس المصري أن يحقق نصرا سياسيا ويكون سببا في تجديد فقه الاقتصاد والمعاملات في الإسلام بعد أن أصبح هذا الفقه اليوم أبعد ما يكون عن نصوص الشريعة وعن مقاصدها وأكثرها حرجاً وتضيقاً على الأمة. ولو اطلع الرئيس المصري على هذه المقالات الستة فاعتقد أنه سيعلم (بخلفيته الدينية وتخصصه العلمي المنطقي وواقعه الذي يعيشه) خطأ الفتوى بربوية التمويلات وأن قوتها مستمدة من {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} وأن استمرارها في الشارع المصري بسبب الجهل أو الضعف أو النفوذ الديني أو الاستنفاع من فقهاء البنوك. ولكن لو اقتنع الرئيس المصري بذلك وأراد التجديد فهل لدولته التي يقودها من النفوذ اليوم ما يُعين الفقيه المصري على هذا؟ كما أعانت الدولة السعودية الشيخ محمد بن عبدالوهاب في تجديده العقائدي وأعانت الشيخ بن باز على إبطال الفتوى ببينونة الطلاق الثلاث.

ما أعظم منة الله على ولي أمر المسلمين إن جمع له بين النفوذ وبين عالم رباني قوي، وما أعظم أثر ذلك من صلاح الدين والدنيا.


نقلاً لـ صحيفة "الجزيرة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات