أين "حزب الله" من مرحلة ما بعد استقالة ميقاتي؟

إبراهيم بيرم

نشر في: آخر تحديث:

كُثر تصرفوا على أساس أن "حزب الله" هو المعني الأول باستقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في نهاية الأسبوع الماضي، وبعضهم ذهب الى حد الاعتقاد بأنها ضربة سياسية موجهة الى هذا التنظيم بالدرجة الأولى مقارنة بالظروف التي أحاطت بعملية تأليف الحكومة قبل نحو عامين، وعدَّت في حينها أنها حكومة "حزب الله" وحلفائه.


وعليه فإن أكثر الأنظار شخصت في اتجاه الحزب سائلة عن ردة فعله حيال هذه الخطوة المباغتة لكل الحسابات، واستطراداً عن كيفية تكيفه مع مرحلة ما بعد الإسقاط الطوعي لهذه الحكومة على يد رئيسها وخصوصاً أن التحليلات والتأويلات الأولية لخطوة ميقاتي مضت بعيداً الى حد الاستنتاج أن هذا الفعل كان فعلا واعياً، وليس ردة فعل على عدم التمديد لقيادي أمني، ويهدف الى التماهي أو التقاطع مع حملة ضغوط اميركية – غربية متصاعدة على النظام السوري العاصي على توقعات السقوط، تطاول كل الساحات المحيطة بالساحة السورية، وهذا إن صح فالمعني الاول فيه حلفاء دمشق.


كعادته تصرف الحزب حيال كل تطور دراماتيكي مفاجئ، فبدأ أولا التزام الصمت، وعدم ابداء أي موقف أو تعليق. ثم كان بعد نحو 36 ساعة موقف أدلى به رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد وينم أصلا عن عدم الاقتناع بما ساقه ميقاتي من تبريرات وأسانيد لاستقالته، ويرى أن الأمر تم بناء على حسابات إقليمية، ثم أطلق تصوراً فحواه أن ميقاتي ترك باستقالته فراغاً سياسياً مدوياً بغية التقليل من أهمية ذريعته الأساسية للاستقالة وهي الحؤول دون فراغ على مستوى القيادة الأمنية الرسمية.


ولاحقاً كان الكلام "التطميني" لجمهور الحزب وقواعده وفحواه ان التطور الطارئ لن يغير في المعادلات المعروفة حرفاً بما فيها معادلة "الجيش والشعب والمقاومة". ذلك هو باختصار السلوك المعلن لقيادة الحزب حيال الحدث، سلوك ديدنه خطاب موجه الى ميقاتي فحواه: أننا غير مقتنعين بالسبب المعلن لاستقالتك وأننا لسنا بغافلين عن جوهر الاسباب الحقيقية لهذا الحدث وتشعباته وامتداداته الداخلية والخارجية وعلاقتها بمجريات الأوضاع في المنطقة.


وإذا كان الحزب شاء ان يبلغ من يعنيهم الأمر أنه لم يؤخذ على حين غرة بحدث الاستقالة، وأنه على الأقل لم يبادر كعادته في العامين المنصرمين الى ابداء المرونة حيال مطلب ميقاتي، فإن السؤال المطروح هو: ماذا في جعبة الحزب من تصورات وسيناريوات لمرحلة ما بعد الاستقالة والتداعيات التي يمكن أن تتأتى منها وتبنى عليها؟


لا تخفي مصادر على صلة بالحزب أنه لم يتصرف بردة الفعل الغاضبة والحانقة التي تصرف بها تيار "المستقبل" وأنصاره لحظة الاسقاط المدوي لحكومة الرئيس سعد الحريري قبل نحو عامين، فلا هو ذهب الى حد اعتبار ما حصل "انقلاباً أسود أو أبيض"، ولا هو انتابه شعور بالخسارة او تملكه إحساس بالهزيمة، وذلك انطلاقاً من شعور لا يخفيه وهو أن الامور والمعادلات الاساسية لن تفلت خيوطها من يديه لتنقلب ضده بين عشية وضحاها.

لذا كان الحزب غير منزعج اطلاقاً من ردود الفعل الباهتة حيال الاستقالة والتي أتت من كل الجهات، إذ لا هو ولا حلفاؤه شعروا بأنهم خسروا، ولا حتى خصومه السياسيون شعروا بأنهم كانوا من الرابحين. وليس في الأفق من مؤشرات تبيح لهم إعادة عجلة الامور والمعادلات الى مرحلة ما قبل الحكومة المستقيلة.

ولم يلبث الغموض طويلاً إذ سرعان ما تبلّغ الحزب رسالة غير مباشرة من ميقاتي نفسه فحواها انه ليس زاهداً بالسلطة والحكم وانه على اتم الاستعداد لتكرار تجربة الحكم مع الحزب وحلفائه، ولكن من ضمن سياقات عدة ابرزها:
- ان ما أقدم عليه ليس ردة فعل بل هي فعل واعٍ لم يأت من فراغ بل ينطوي على استجابة لظروف وحسابات اقليمية ومحلية.
- ان الوضع في البلاد يحتاج الى صدمة وانه كان لا بد ان يحدثها هو.
- انه لم "يطلع" من شركائه السابقين اطلاقاً لكنه يحتاج الى توسيع دائرة الشركة لتصير المسألة "حكومة انقاذية".
- انه جاهز لقيادة المرحلة على قاعدة ان ثمة شروطاً مسبقة يتعين علينا وضع قواعد تفاهم جديدة حولها تحدث تعديلاً وتغييراً في الادوار والوظائف مستقبلاً.

وهكذا وصلت رسالة ميقاتي الى الحزب فيما كان يرصد عن كثب الحراك الدائر في عين التينة والذي اتسم بالحيوية والكثافة، وبالطبع بلغة انباء "المقايضة" الجاري البحث فيها والتي تجمع بين التمديد لمجلس النواب والتمديد للواء ريفي، ومن ثم مواراة قانون الستين.
الحزب على دراية بأن هذه المواضيع المتشابكة ليست وليدة الأمس القريب، فالأخذ والعطاء حولها جارٍ في الكواليس منذ مدة.
ولأن الحزب تعلم "البراغماتية" وصار على دراية تامة بقواعد اللعبة السياسية في لبنان، لا مانع لديه من الاشتراك في المناقشة، لكن ذلك على اهميته لا يعني بالنسبة اليه ان إمرار التسويات وصوغ التفاهمات أمر يسير في هذه المرحلة، فثمة حاجة كبرى لاستدراج العروض وهي عملية شاقة وشائكة.

ومما يريح الحزب في هذا السياق ان خصومه السياسيين يبدون تعقّلاً في مقاربة المرحلة وليسوا في وارد السعي الى قلب المعادلات لأنهم يعلمون علم اليقين الصعوبات والمخاطر التي تترصدهم وتنتظرهم. وعليه ووفق المصادر اياها، فإنه لا يبدو ان لدى الحزب تصوراً جامداً واحداً حيال مرحلة ما بعد الاستقالة خصوصاً بعدما اتضحت له سريعاً أبعاد خطوة الاستقالة وخلفياتها وتكشفت له في الوقت عينه خطط خصومه وتوجهاتهم.

لذا فالحزب لا يخشى إطالة أمد حكومة تصريف الأعمال، ولا يمانع اطلاقاً في التمديد للمجلس النيابي، وفي الوقت عينه لا يبدو أنه يوصد أبوابه امام إمكان البحث في صفقة بعيدة المدى وطويلة الأجل تتناول كل الملفات من الآن وحتى انتخابات الرئاسة الاولى وخصوصاً أن حظوظ العودة الى قانون الستين بدت معدومة على رغم ان النائب وليد جنبلاط حاول بعد اقل من نصف ساعة على نبأ الاستقالة الايحاء بأنها باتت من باب تحصيل الحاصل، وان الترشح سيكون على اساس هذا القانون. وفوق هذا وذاك ليس لدى الحزب موانع تحول دون مد جسور التحاور مع ميقاتي نفسه، ولكن السؤال هو: هل الآخرون مستعدون لتسهيل عودته مجدداً؟

*نقلاً عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.