الفتنة الوطنية

ياسر علي

ياسر علي

نشر في: آخر تحديث:

يقول المفكر القبطي الفقيد الدكتور ميلاد حنا في معرض حديثه عن الشخصية المصرية‏'‏ إن كل مصري مهما تكن درجة علمه أو ثقافته‏,‏

ابتداء من أستاذ الجامعة المتعمق والمتفتح علي حضارات عصره إلي الفلاح البسيط الذي لا يقرأ ولا يكتب في عمق الريف أو صعيد مصر, متـأثرا بالزمان والمكان, ومن ثم فكل مصري في أعماقه أمته من العصر الفرعوني وإلي يومنا هذا مرورا بمراحل اليونانية الرومانية ثم القبطية فالإسلام'.
وأستطيع أن أؤكد أن المصريين كانوا قادرين دائما أن يتعايشوا مع الاخر علي مدي العقود والقرون في شكل متوازن ونموذجي في تجارب مختلفة ومركبة, ولم يجد المصريون أي صعوبة في ذلك بل قدموا نماذج فريدة في الانصهار الحضاري كانت بمنزلة رصيد متجدد للمخزون الثقافي والاجتماعي للمصريين عبر العصور..

وفي الوقت ذاته لا بد أيضا أن يكون المصري متأثرا بالمكان ومعايشا لابعاده المتعددة, ومن ثم فهو' عربي' لأن مصر تقع في موقع القلب بالنسبة للمتكلمين بالعربية,وهو افريقي ومتوسطي دون ان يشعر بأية متناقضات,و رغم وجود هذه التركيبة في كل منا, لكنها ليست متساوية بالضرورة في الطول والسعة والاهتمام.


ولذلك فإنني بمجرد أن أسمع عن حوادث ما يسمي بالفتنة الطائفية أو الصراع الديني أو المذهبي, ورغم الألم الذي يعتصرني علي الضحايا والخسائر التي تنجم عن هذه الاحداث أكون متأكدا انها ستنطفئ سريعا وتزول علي عجل, لان العقل والوجدان المصري لا يعرف في تكوينه العميق هذا النوع من الصراع, وأصبحت بمرور الوقت وتحليل المشاهد ابتداء من أحداث الخانكة في27 نوفمبر1972 إلي أحداث الاسبوع الماضي بمنطقة الخصوص أميل دائما الي تسمية هذه الاحداث بالفتن الوطنية وليست الطائفية لان هذه الاحداث تأتي دائما في اطار مناخ وطني محتقن إما بسبب فعل سياسي اواقتصادي بشكل مباشر أو غير مباشر وبشكل عفوي أو متعمد وتأتي دائما تلك الاحداث بشكل جزئي سرعان ما ينحصر حتي يذبل وينتهي.


إن أحداث الخصوص الاخيرة جاءت في ظروف احتقان سياسي ساهمت فيه أطراف تسعي بكل قوة منذ نوفمبر الماضي الي تحويل خلاف سياسي محترم ومقدر إلي صراع سياسي تستخدم فيها كل ادوات الصراع من استحلال واستباحة وتكفير سياسي واستخدام العنف مع مؤسسات الدولة وترويج لشائعات بشكل ممنهج,حيث أدي ذلك كله إلي خلق بيئة سياسية محتقنة يعاني فيها الكثير من المواطنين حالة من الهلع علي مستقبل الوطن وثورته وحالة من اللا يقين الدافعة احيانا لليأس من الاصلاح وتأجيل بل واجهاض دافعية ايجابية للعبور نحو المستقبل تولدت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير2011


وقد لعبت الشائعات في هذا المناخ وقبل ذلك دورا كبيرا في معظم الحوادث التي أدمت قلب الوطن, ويكاد لا يمر يوم دون أن نجد نفيا أو تكذيبا لشائعة. والشائعات عادة ما يكون الهدف منها لفت الانتباه أو نقل معلومة حول قضية ما موضع اهتمام الجميع, وعادة ما تشمل الشائعة معلومات يصعب التأكد من صحتها وقت نقلها, ولإضفاء قدر من المصداقية عليها, يتم تضمينها بمعلومة صحيحة أو أكثر ولا يمنع ذلك أحيانا من انتشار شائعات قائمة كلية علي معلومات غير صحيحة.


وكان أكبر حدث للفتنة الوطنية بعد الثورة المصرية هو أحداث ماسبيرو التي بدأت بتظاهرة انطلقت من.حي' شبرا'باتجاه مبني الإذاعة والتليفزيون ردا علي قيام سكان من قرية' المريناب'بمحافظة أسوان بهدم كنيسة قالوا إنها غير مرخصة, وتحولت إلي مواجهات بين المتظاهرين وقوات من الشرطة العسكرية والأمن المركزي.

ومازال الكثيرون يجهلون كيف تطور الوضع في ماسبيرو إلي حد استخدام العنف الشديد, ولكن المؤكد أن المعلومات المتبادلة بما فيها من شائعات لعبت دورا مهما في تأجيج الموقف,وقد اتهم وقتها نائب رئيس الوزراء المصري الدكتور يحيي الجمل في حوار تليفزيوني- الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف التوترات الطائفية التي شهدتها مصر مؤخرا, مؤكدا أن غايتهما من ذلك هو' كسر' مصر.

وأهم ما يمكن ملاحظته في هذا الإطار أن سماسرة الفتنة الوطنية قد نشطوا بشدة في مرحلة ما بعد الثورة المصرية مستغلين الحراك السياسي والاجتماعي الشديد الذي تلي الثورة, وأن صانعي الفتن لا يعملون في اتجاه واحد وهو الضغط علي المسيحيين والاعتداء علي الكنائس, ولكنهم أيضا يعملون في الاتجاه المعاكس..

فقد شهدت أحداث الفترة الماضية حالات متكررة من اقتحام المساجد, منها علي سبيل المثال, الحصار الذي تعرض له مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية, واقتحام مسجد قادوس بالمحلة بالإضافة إلي تعرض بعض المساجد للاقتحام أثناء أحداث الاتحادية وما بعدها. وهذا السيناريو المتكرر الذي يعمل علي تعكير صفو العلاقة بين المسلمين والأقباط ويمضي في الاتجاهين محاولا إرساء مبدأ عدم قدسية أماكن العبادة هو من أخطر ما يهدد قيم المجتمع المصري.

ورغم أن الدستور المصري الجديد اشتمل علي العديد من المواد التي تقضي علي كافة أشكال التمييز بين المواطنين وتدعم مبدأ المواطنة وتحافظ علي حقوق الإنسان, حيث نص الدستور لأول مرة في المادة3 علي أن' مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية, وشئونهم الدينية, واختيار قياداتهم الروحية'..

كذلك نصت المادة6 علي أنه' لا يجوز قيام حزب سياسي علي أساس التفرقة بين المواطنين;بسبب الجنس أو الأصل أو الدين',وأخيرا نصت المادة44 بأنه' تحظر الإساءة أو التعريض بالرسل والأنبياء كافة'.

ورغم ان قانونا لمكافحة التمييز قد تم إقراره في16 أكتوبر2011, لتعديل القانون الجنائي لتجريم التمييز صراحة, وذلك بوضع تعريف للتمييز في القانون باعتباره أي فعل أو غياب للفعل يؤدي للتمييز بين الأفراد أو ضد طائفة علي أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو الاعتقاد..

ورغم هذا القانون فان هذه الأحداث تحتاج إلي تغيير حقيقي وسريع في مناخ العمل السياسي ليقوم علي ثقافة ديمقراطية ترحب بالخلاف السياسي الموضوعي الذي يبني ويبدع وليس الصراع السياسي الهائج المولد للعنف والذي لا هدف له سوي الهدم والحرق.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.