الجميع في مأزق

عبدالله إسكندر

نشر في: آخر تحديث:


أصدر رأس النظام السوري، منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية قبل عامين تقريباً، عدداً كبيراً من قرارات ومراسيم العفو الجزئي والكلي عن «جرائم» حمل السلاح ومواجهة القوات النظامية. كما اصدر قرارات «اصلاحية» تناولت مواد دستورية تتعلق بتنظيم الحياة السياسية. وأدار «جلسات حوار» مع قوى «معارضة» في الداخل. لكن كل هذه «المحسنات» لا تخفي ان عمليات القتل والتدمير والتهجير مستمرة، وعلى نحو متزايد، لا بل باتت مرادفاً لتعميق الكارثة التي تحل بالبشر والحجر في سورية.

أي ان القرارات والمبادرات التي أراد النظام، من ورائها، ان يظهر انه يسعى الى تهدئة الامور والتوجه نحو «حل سياسي»، لم تقنع أحداً في داخل سورية وخارجها بكونها أساساً صالحاً للحل، خصوصاً انها تترافق مع لجوء النظام الى أسلحة متزايدة القدرة على الفتك والتدمير. مع ما يعنيه ذلك من تعميق للمأزق الذي واجهته اصلاً قرارات النظام ومبادراته، وكذلك سلوكه العسكري.

في موازاة ذلك، لم تتمكن القوى السياسية المعارضة من تشكيل ثقل قادر على رسم استراتيجية الخروج من المأزق الذي دفع النظام الجميع اليه. فهي لا تزال تتعثر في سعيها الى الشكل الذي ينبغي عليها ان تكون عليه والمهمات المتوقعة منها. لا بل ما زالت في مرحلة ما قبل الجبهة السياسية الواحدة، صاحبة البرنامج الموحد والمعلن. ناهيك عن قدرتها على تشكيل حكومة ما، مهما كانت تسميتها.

وعلى الارض، ورغم فرض انحسار السيطرة الميدانية للقوات النظامية عن مناطق متزايدة الاتساع، لم يسجل التغيير النوعي الذي يحد من حركة النظام، وإن كان بعض رموز السيادة بات مهدداً. فالنظام ما زال قادراً عسكرياً على ارتكاب مزيد من القتل والتدمير، كما تظهر الاحصاءات اليومية. ولم تتمكن المعارضة المسلحة بعد من فرض أي نوع من حماية للمناطق السكنية المستهدفة، خصوصاً بالصواريخ الطويلة المدى والغارات الجوية، أو ردع النظام عن اللجوء الى هذه الاساليب.

وهذا يعني ان المواجهات على الارض لم تحمل معها حتى الآن أي تحريك للحل السياسي. في حين ان تعقيدات جديدة تدخل على المشهد، خصوصاً مع مضاعفات كشف البيعة بين «جبهة النصرة» وقيادة تنظيم «القاعدة». فهذه القضية لا تؤثر في كيفية التعامل الخارجي مع الازمة السورية فحسب، وانما تعقد ايضاً طبيعة الحل السياسي الذي تريد المعارضة الترويج له، وتحديداً معاني الدولة المدنية والتعددية والديموقراطية والمساواة في الحقوق والواجبات.

ومع تعطل القدرة على فرض حل دولي بفعل الانقسام في مجلس الامن، لم يظهر ان الجبهة الاقليمية والدولية المعارضة للنظام تمكنت من التأثير في مجريات الامور في الداخل والدفع في اتجاه الحلول.

لقد كان الفشل نصيب لجان المراقبة والتحقيق والمهمات الاغاثية والانسانية. كما فشلت كل انواع الضغوط والعقوبات على النظام، على المستويين العربي والدولي في تحريك أي شكل من أشكال الحل السياسي. لا بل اتخذ النظام من هذه الاجراءات ذريعة للاستمرار في القتل بدل التوقف عند معانيها، خصوصاً على مستوى العلاقات العربية - العربية، سياسياً واجتماعياً ومذهبياً. العقوبات العربية هي نتيجة للمأزق السياسي الذي دفع النظام الامور اليه. لكنها لم تحمل أي تأثير في واقع الاحداث، وتالياً لم تساهم في بلورة اتجاه نحو الحل.

هكذا يظهر ان جميع المعنيين بالكارثة السورية غير قادرين على تغيير اتجاه الوضع. وباتت أزمة الحل تنعكس على سلوك كل منهم، في انتظار تغيير في المعطيات ربما ملامحه بدأت تظهر في كثافة التهجير الى دول الجوار وفي تزايد الحوادث عبر الحدود. أي تغيير في اتجاه تعميم القتل والدمار.

*نقلاً عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.