عاجل

البث المباشر

مايكل غيرسون

<p>كاتب رأي</p>

كاتب رأي

مارغريت ثاتشر.. الرأسمالية الفاضلة

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا العظمى هي النموذج الكامل الجريء للمبادئ اليسارية - ما وصفته مارغريت ثاتشر بنعت «تلك الوسائل التافهة والبيروقراطية الممثلة في الإكراه وفرض الضرائب التصاعدية والتأميم والنظام المستبد القمعي». وتمثلت النتيجة في خلل وانحطاط وكآبة وانهيار للقيم. لقد استحوذ رجال مميزون من تيار اليسار على لحظتهم من الأمل، وتبدد الأمل. يقول الصحافي كولم بروغان: «في أي موضع حاول فيه وزير الخزانة السير ستافورد كريبس زيادة الثروة والسعادة، لم تسنح له الفرصة مجددا».

ولكن ثاتشر أبت العيش في هدوء وسط الحطام. وأعدت نقدا عن الاشتراكية الديمقراطية الفظة منها من جانب والمنادية بالحرية الشخصية من جانب آخر. في أكسفورد، قرأت كتاب «الطريق إلى العبودية» للكاتب فردريك فون هايك، وهو عبارة عن كتاب نقدي لمخطط الدولة الذي أصبح له تأثير طويل الأجل. ولاحقا، اعترضها كتاب «المجتمع المفتوح وأعداؤه» لكارل بوبر، الذي عزت الفضل إليه في كشف النقاب عن «علم» الاشتراكية المخادع. وتبنت ثاتشر ثلاث نظريات مرتبطة بفكرة السوق الحرة بإسهاب معرقل. وحينما اتهم أنيورين بيفان المحافظين بأنهم «أحط من الهوام»، ارتدت ثاتشر ونشطاء شباب آخرون شارات «الهوام»، مع صورة فأر أزرق صغير.

لكن إلى جانب هذه المعتقدات المنادية بالحرية الشخصية، أو ربما أساسها، يوجد تيار ديني قوي. وصفت ثاتشر المنهاجية بأنها «عماد الاستقرار». وعبر سي إس لويس - الذي «كان له أبلغ تأثير على تكويني الديني الفكري» - تعرفت على فكرة وجود قانون طبيعي يمكن الوصول إليه بإعمال العقل والمنطق.

وخلال سنوات عملها الأولى، ظلت الاتجاهات المنادية بالحرية الشخصية والاتجاهات الدينية غير مترابطة منطقيا. وفي سيرتها الذاتية، اعترفت ثاتشر بتفهم «الانتقادات القاطعة للاشتراكية» قبل فترة طويلة من فهم المعنى الكامل لـ«حكومة محدودة في ظل سيادة قانون» - الفهم الأول جعلها مروجة لفكرة السوق الحرة والثاني جعل منها شخصية فاضلة.

وكائبة شابة في البرلمان، أيدت ثاتشر عدم تجريم الشذوذ الجنسي والإجهاض القانوني في أصعب القضايا - والتي اعتبرتها تعديلات «أوجه قصور أو إجحاف» في القانون. ولكنها خلصت لاحقا إلى ما يلي: «أرى الآن أننا نظرنا إليها من منظور ضيق جدا.. فبجمع كل الإصلاحات «الليبرالية» في الستينات من القرن العشرين معا، نجد أنها ترقى إلى مستوى أكبر من أجزائها الفردية. بات ينظر إليها بوصفه تقدم نظاما جديدا تماما من المتوقع أن يتصرف الجيل الأصغر سنا في إطاره.

وبمعاينة الحطام الثقافية الممثلة في التفكك الأسري والاعتماد على الإعانات الحكومية، إضافة إلى الجريمة، رأت ثاتشر أن «مجتمعا حرا فاعلا لا يمكن أن يكون بلا قيمة»: «الحرية سوف تدمر نفسها، ما لم تمارس في إطار نظام أخلاقي ومنظومة من القيم المشتركة ونقل جانب من الإرث الروحاني عبر الكنيسة والأسرة والمدرسة».

لا يتجلى هذا المبدأ بدرجة كبيرة في كتابات هايك أو بوبر بقدر وضوحه في كتابة إدموند بيرك، في قوله: «الرجال مؤهلون لحرية مدنية بدرجة مماثلة تماما لنزوعهم لوضع قيود أخلاقية على رغباتهم الغريزية».

لم يكن الشغل الشاغل الأساسي لثاتشر هو القيم المسيحية البطولية، وإنما القيم الفيكتورية النافعة - «الازدهار والانضباط الذاتي والمسؤولية وفخر واعتزاز المرء بالمجتمع الذي ينتمي إليه والتزامه تجاهه». وفيما يمكن أن تأتي هذه القيم من عدة مصادر غير دينية، فقد وجدت ثاتشر أن «من الصعب تخيل أن ثمة أي شيء آخر خلاف المسيحية يمكن أن يعيد إمداد السواد الأعظم من الناس في الغرب بالقيم الضرورية لإعادة إضفاء الطابع الأخلاقي على المجتمع بصور عملية جدا، يتطلبها حل الكثير من المشكلات الراهنة».

وجهت ثاتشر هذه الرسالة بالكامل في خطبتها التي تشبه «موعظة الجبل» وهي خطبة بليغة ألقيت في عام 1988 في قاعة كنيسة اسكوتلندا، الواقعة على تل منحدر مطل على مدينة إدنبرة. وأمام جمهور من رجال الدين الصامتين الساخطين، دافعت عن الأسواق الحرة والديمقراطية بوصفهما الأكثر توافقا مع رؤية مسيحية للمسؤولية الأخلاقية. وقالت: «أي مجموعة من الترتيبات الاجتماعية والاقتصادية لا ترتكز على قبول المسؤولية الفردية لن تفعل شيئا سوى إلحاق الضرر».

غير أن الحرية وحدها ليست كافية. تقول ثاتشر: «حقائق التقليد اليهودي - المسيحي قيمة للغاية، ليس فقط، كما أعتقد، لكونها حقيقية، وإنما أيضا لأنها توفر الدافع الأخلاقي الذي يمكن أن يفضي وحده إلى ذلك السلام، بالمعنى الحقيقي للكلمة، الذي نطمح إليه جميعا.. إن الأمل في قيام نظام ديمقراطي يضعف، إذا ما تعذر لمس قلوب الرجال والنساء في المجتمعات الديمقراطية بدعوة لشيء أعظم قدرا من ذواتهم».

إن المفارقة الكبرى في الحياة الحديثة هي أن الأسواق الحرة تعتمد على مواطنين مسؤولين معتمدين على أنفسهم وفاضلين، فيما تعتبر الرأسمالية الاستهلاكية الحديثة - من النوع الذي أظهرته ثاتشر في بريطانيا - وسيلة لإقامة علاقات ووضع نماذج تقليدية. تتطلب الحرية قيما لا تثمر عن نتائج إيجابية، بل وربما تقوض التطور. ولهذا، كانت ثاتشر المروجة لمبدأ السوق الحرة بحاجة لأن تكون ثاتشر الفاضلة.
نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات