انتفاضات 2011 لن تحقق الديمقراطية

عادل درويش

عادل درويش

نشر في: آخر تحديث:

يوم جنازة الزعيمة البريطانية الراحلة الليدي ثاتشر سأل رجل شرطيا في ميدان لدجيت - سيركيس، حيث ينتهي فليت - ستريت (شارع الصحافة القديم) ويتثعبن الطريق إلى كاتدرائية القديس بول، «إلى أين أتجه من هنا؟»، فرد رجل البوليس «هذا يتوقف على ما تختاره من نشاط يا سيدي». (رجل البوليس، كأي موظف عمومي Civil Servant خادم للمواطن، فيخاطبه بـ«سيدي»). أكمل رجل البوليس بهدوء «لمجرد الفرجة، تفضل هنا، أما إذا أردت أن تعبر عن الاحترام أو الحزن بترديد صلاة فالناحية اليسرى أنسب؛ وعلى الناصية المقابلة، إذا أردت الانضمام إلى المحتجين على الجنازة». لم يحرك الشرطي جفنا أو يشوب صوته خلجات عاطفية أو تتغير ملامح وجهه. إنه كممثل سلطة الدولة يراقب تنفيذ القانون بمساواة على الجميع، وهم أحرار في توديع الفقيدة بالصلوات، أو التصفيق للجثمان (ظاهرة جديدة على بريطانيا ظهرت في جنازة أميرة ويلز الراحلة ديانا عام 1997) أو إدارة الظهر استنكارا أو رفع لافتات اللعنات؛ أو مجرد الفرجة. فحرية الفرد في الاختيار هي حجر الأساس في عظمة صرح الديمقراطية البريطانية.

الليدي ثاتشر أكثر ساسة بريطانيا شعبية لدى أفراد البوليس، بعد السير روبرت بييل مؤسس الجهاز في عشرينات القرن الـ19 (فور تشكيلها حكومة 1979 ضاعفت ثاتشر مرتبات البوليس لتجنبهم إغواء الرشاوى) لكن الشرطة وفرت الحماية لخصوم ثاتشر (من غضب الأغلبية من مؤيدي سياستها) وهم يعبرون عن كراهيتهم للراحلة بحرق صورها، أو دمى تمثلها، فالمحتجون والمؤيدون يدفعون ضرائبهم التي تمول ميزانية البوليس وهو جهاز في خدمة المواطنين وحقهم في التعبير، حتى ولو كان لعن البوليس.

حكمدارية بوليس لندن نشرت أربعة أضعاف العدد المعتاد في مثل هذه المناسبات، لتصادف الجنازة بعد يومين من تفجير شقيقين مخبولين لقنبلتين في سباق الماراثون في بوسطن الأميركية، فقتلا ثلاثة - بينهم طفل في الثامنة - وجرحا ما يزيد على ثمانين.

ماراثون لندن، صادف الأحد الماضي، بعد انفجارات بوسطن وهو يجذب قرابة 40 ألفا من المتسابقين، أغلبهم يعدون الـ26 ميلا لأغراض خيرية (بأزياء كرنفالية أو مضحكة يتفق المتسابقون مع رعاة Sponsors وكل راع يعد بمبلغ كجنيه مثلا لكل ميل يكمله المتسابق، وتذهب الحصيلة لأعمال الخير).

لم يطلب مسؤول حكومي واحد، من المتسابقين، ومئات الآلاف من المتفرجين، حضور الماراثون، أو عدمه، فحرية الفرد في الاختيار حق مقدس، ولا يجرؤ مسؤول حكومي أن يصدر توجيها للناس بسلوك معين، إذ سيفعل الناس العكس تماما، (وهو طابع الإنجليز، كقوم يعتزون بالحرية الفردية وشعور العدالة لديهم بالغ الحساسية، وهم أكثر الأمم نصرا للمظلوم والمعتدى عليه) ويجعل الصحافيون، ومونولوجستات الكوميديا من المسؤول أضحوكة الموسم.

خيار العدائين والمتفرجين من أنفسهم، كان مقاومة الإرهاب والكراهية بالمرح والرياضة وحضور الماراثون الذي حقق نجاحا كبيرا.

ولكي نفهم الروح المعنوية المرتفعة لمقاومة الإرهاب بالمرح والنشاط المعتاد ببرود، نعود إلى حوار العشرين ثانية بين مواطن ورجل بوليس في لدجيت سيركيس، كبلورة لمفهوم الحرية التي استغرقت تنقيتها ثمانية قرون من التجارب السياسية والاجتماعية التي تطورت إلى أعرق الديمقراطيات وأكثرها ثباتا؛ بلورة في عبارة واحدة «حق الفرد في الاختيار، في إطار عرف يكتسب قوة القانون بالإجماع المشترك».

ذكرت حوار العشرين ثانية في جلسة مناقشة مع دبلوماسيين وبرلمانيين ومعلقين بريطانيين وشرق أوسطيين، تساءلوا عما انتهت إليه انتفاضات 2011 (سماها البعض، خطأ، «الربيع العربي») وهل شعوب بلدان الجامعة العربية على استعداد للتطور ديمقراطيا؟

كانت إجابة الأغلبية «لا».

فمهما استعرضنا من تجارب شبه ديمقراطية سابقة وحاضرة، وانتخابات وغيرها، يصعب تصور حدوث مشهد حوار العشرين ثانية في أي من هذه البلدان.

ليس لأن مواطني البلدان المعنية من طينة أخرى غير البشر، أو لا يتعطشون للحرية، وإنما لغياب العنصرين المكونين للعبارة أعلاه «حرية الفرد في إطار عرف إجماع مشترك».

وليس لأن المواطن في بلدان الشرق الأوسط لا يثق في رجل البوليس لأنه رمز سلطة لا يراها عادلة، (ولا شرعية دستورية لها في أكثرية هذه البلدان)؛ وليس لأن الخبرة المتراكمة لدى البوليس هي استهتار المواطن بالقانون، وفساد الساسة الذين يأتمر بأوامرهم، بل لافتقاد الثقافة العامة لبلده عنصرين أساسيين: ثقافة حرية الفرد في الاختيار؛ وعرف الإجماع المشترك لاحترام القانون.

تجول في شوارع القاهرة مثلا. ثلاثة أرباع الأرصفة وسط البلد، يفترشها باعة غير مرخصين في خرق واضح لعدة قوانين (المرور، والبلدية، والصحة والسلامة، والإسكان، والتبادل التجاري، وربما الجمارك ببيع بضائع مهربة). إذا حاول مسؤول من البلدية، أو المرور، أو البوليس فرض القانون بإخلاء الرصيف، سيواجه بنظرات غضب كوخز الإبر؛ وربما يخرق أذنيه السباب، واعتراض المارة بعبارات مثل «حرام عليك يا شاويش سيبه ياكل عيش...» أو «بتتشطر على البائع الغلبان يافندي...»، أي إجماع مشترك على الاستهتار بالقانون (ما يعرف في اللغة المصرية بـ«يا عم صهين».. أي تجاهل الأمر) فيصبح عرفا اجتماعيا يتلاشى أمامه القانون.

العنصر الثاني، حرية الفرد، لا وجود له في الثقافة العشائرية (وبلد لا يعرف العشائرية كمصر غزت ثقافة العشائرية مشهده السياسي: عشيرة الجماعة الدينية، وعشيرة الحزب السياسي، وعشيرة مشجعي الفريق الرياضي..)، ويضحى بحقوق الفرد (رغم أنه كيان محدد قانونيا) في سبيل العشيرة/ الأمة (رغم غياب تعريف قانوني للكيان لأن القوانين تتعلق بالفرد وعلاقته بالمؤسسات والممتلكات).

وما كنا لنصف استيلاء الإخوان (والآيديولوجيات المنبثقة عنهم كالبنلادنية الظاهرية، أو طالبان، أو جبهة النصرة، وما شابهها) على السلطة بعد انتفاضات 2011 بـ«كارثة»، لو كانوا حزبا سياسيا (بمرجعية أخلاقية دينية) يعمل في إطار الإجماع الشعبي للدولة الحديثة، لا جماعة بلا تعريف قانوني أو إطار سياسي، تلغي حرية الفرد في الاختيار بأساليب النازية والفاشية بفرض طريقة المعيشة، وما يقرأه المرء أو يسمعه أو كيف يستمتع (أو يحرم من الاستمتاع) بوقته.

والأحزاب التي يسوِّق الإخوان نموذجها كالديمقراطي المسيحي في أوروبا مثلا، لا يخطر ببال زعمائها فرض الزي وأسلوب الحياة والسلوك على الناس (أو حتى على أعضاء الحزب) أو إلغاء الأعراف والقوانين التي تحظى بإجماع مشترك والعودة إلى تلقي إرشادات الحياة اليومية من رهبان الكنيسة، فهؤلاء بدورهم كفوا قبل قرون عن الادعاء بأنهم سلطة الله على الأرض.

وسواء من فجروا شرارات انتفاضات 2011 أو من صعدوا على أكتافهم إلى السلطة، أو جبهات معارضي السلطة، فجميعهم يفتقدون مفهوم حرية الفرد، وإجماعهم المشترك هو اللاقانون.

* نقلا عن "الشرق الأوسط" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.