مبادرة السلام والحرب؟!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

ما السر الذي جعل الولايات المتحدة تهتم بعملية السلام العربية - الإسرائيلية ومبادرة السلام العربية واستئناف المفاوضات بين العرب والإسرائيليين بعد سبات عميق استمر ثلاث سنوات تقريبا. ومن عجب أن هذه السنوات الثلاث شهدت أكثر فترات العلاقات بين طرفي الصراع هدوءا، فيما عدا تلك الغزوة الصغيرة على غزة في العام الماضي. وببساطة فإن أحدا لم يكن لديه وقت ولا قدرة على وضع الموضوع على مائدة الاهتمام العام على المستويات العليا لاتخاذ القرار سواء بين الدول العربية أو الفلسطينيين أو إسرائيل أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. فالدول العربية كانت يدها ممتلئة بنتائج «الربيع العربي» وما انتهت إليه. أما السلطة الوطنية الفلسطينية فقد كانت منشغلة بالانقسام الفلسطيني والتنافس بين فتح وحماس حتى بات الصراع مع إسرائيل واقعا في الدرجة الثانية من الاهتمامات. الرئيس الأميركي لسعت يده وظهر أن ثمن التورط ثقيل، وكانت الانتخابات الرئاسية قد اقتربت على أي حال، ولم يعد هناك بد من الانتظار. لإسرائيل كان الوضع كله مناسبا، فالحدود هادئة والسكان الفلسطينيون هادئون، والحدود مع الدول العربية هادئة، وتوازن القوى تغير بشكل جوهري لصالح إسرائيل، فالعراق تمزق ولم يبق لجيشه إلا حماية الأمن الداخلي، ومصر باتت مشغولة بثورتها، وجيشها أصبح أمينا عاما على الانتخابات والاستفتاءات المصرية الكثيرة، والأردن يعرف حدوده، أما سوريا فقد باتت هي الأخرى في ثورة، ومن في الحكم والمعارضة يتهمان بعضهما بالعمالة لإسرائيل، وبقي الاتحاد الأوروبي لاهثا بالكوارث المالية الآتية من اليونان وقبرص وإسبانيا، ومن يعرف فقد تكون إيطاليا على الطريق.

لماذا الآن إذن، وما الجديد؟ ما عرفناه دائما أن عملية السلام - كما شاع عنها هذا الاسم - تزدهر في أعقاب الأزمات والحروب الكبرى في المنطقة. فالسلام المصري - الإسرائيلي وفض الاشتباك السوري الإسرائيلي تما بعد حرب أكتوبر 1973؛ والسلام الأردني والموريتاني مع إسرائيل واتفاق أوسلو الفلسطيني الإسرائيلي حدثت بعد حرب الخليج الثانية عندما جرى احتلال الكويت من قبل العراق، وتم تحريرها عن طريق تحالف عربي أميركي غربي. وفي كل مرة جرت حرب في الجنوب اللبناني أو في غزة أو اشتعلت انتفاضة فلسطينية تحدث مبادرة من نوع أو آخر لا تلبث أن تخفت شمعتها ويعود الجميع إلى نوع من الصراع. في المرحلة الراهنة لا توجد أزمة من أي نوع، وكل الأطراف لديها ما يشغلها، فهل هناك سبب أو أسباب تدعو إلى الاهتمام. سبق أن ذكرنا في هذا المقام أن باراك أوباما في فترته الثانية ربما يريد أن يغازل التاريخ مرة أخرى عن طريق تحقيق السلام في الأرض المقدسة. ولكن أوباما دخل التاريخ بالفعل كأول رئيس من أصل أفريقي للولايات المتحدة، وباعتباره الرجل الذي تمكن الجيش الأميركي في عهده من قتل أسامة بن لادن، وأخرج القوات الأميركية من الأوحال في العراق وأفغانستان، وأخيرا ربما يكون الرئيس الأميركي الذي أخرج الولايات المتحدة من أكبر أزمة مالية واقتصادية عرفتها منذ الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي. القول هنا هو أنه متى يشبع الرؤساء من دخول التاريخ، وهل يوجد مثيل للقضية الفلسطينية التي أعيت الرؤساء والأمم؟ ربما يكون الأمر في خيال الرئيس الأميركي، ولكن لا بد أن تكون هناك أسباب أخرى. منها أن فترات الهدوء ربما تكون أكثر ملاءمة لتحقيق نتائج جيدة خاصة أن هناك مبادرة عربية للسلام تقوم ببساطة على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها عام 1967 مقابل علاقات سلام «شاملة» مع كل الدول العربية.

على أي الأحوال فإن قصة الصراع العربي الإسرائيلي بعد أكثر من قرن من ممارسة الحرب والسلام ظلت دوما رهينة المفاجأة التي جاءت من عمل عسكري أو من عمل سياسي شجاع. وفي كثير من الأحوال فإن العمل الشجاع جاء من قلب المأساة الدامية، وكان الموقف في عام 2002 داميا بشدة في السلام تقلص الحديث فيه، والانتفاضة الفلسطينية كانت قد وصلت إلى عنفوانها، والضحايا يتساقطون بوحشية إسرائيلية غير مسبوقة. هنا في شهر فبراير (شباط) من ذلك العام قامت المملكة العربية السعودية بكسر حواجز كثيرة عندما عرضت مبادرة السلام، وربطتها بأن تكون في النهاية حاصلة على موافقة العرب في قمتهم المقبلة. كان ذلك جزءا من سلوك سعودي مشهود، تكرر من قبل عندما قدمت المملكة ما عرف من قبل في الثمانينات بمبادرة الملك فهد التي ذكرت أحيانا باسم مبادرة مؤتمر فاس، وفي الحالتين عملت السعودية على كسر جمود غير مقبول، ووقف نزيف لا يغتفر. كانت المبادرة السعودية هذه المرة واضحة وبسيطة، تقوم على مبادلة انسحاب إسرائيلي من الأراضي العربية مقابل سلام شامل مع كل الدول العربية، كانت المطالب العربية المشروعة كلها على الطاولة مثلما كانت مطالب المجتمع الدولي. وبعد ذلك كان قرار القمة بإقرار المبادرة وتوجه وفد عربي إلى عدة عواصم مهمة في العالم لعرض المبادرة لم يكن من بينها إسرائيل، الطرف الرئيس في الموضوع. وعلى أي حال فإن الواقع كان يتحرك بأسرع من الباحثين عن السلام، فقد قامت حماس بعملية عسكرية قتلت 30 إسرائيليا، وردت عليها إسرائيل بقيادة شارون بإعادة غزو الضفة الغربية. باختصار جاءت الحرب بدلا من أن يأتي السلام، وفي العموم بدا أن إسرائيل مهتمة بالتوسع وكسر الإرادة الفلسطينية أكثر من اهتمامها بالسلام.

ولا أدري عندما جرى اجتماع واشنطن بين الإدارة الأميركية ووزراء خارجية عرب لبعث المبادرة العربية مرة أخرى، لِمَ ضغط على خاطري أمران: الأول هو أن واشنطن سوف تضغط من أجل مزيد من الوضوح العربي حول الآلية التي يتم بها تطبيق المبادرة، والمدى الذي سوف تصل فيه إلى إسرائيل التي سيقام السلام معها. والثاني أن أوباما ربما لا يريد دخول التاريخ من هذه الزاوية، وإنما يريد تهيئة الأجواء للحرب لا للسلام. الخاطر شرير، ولكن هل يمكن استبعاد سوريا من الحسابات الأميركية في الشرق الأوسط هذه الأيام، وهل يمكن استبعاد أن أعمالا عسكرية على الجبهة السورية تحتاج هدوءا على الجبهة الفلسطينية؟ وربما كان الأهم هو أن الجبهة الأصيلة في الموضوع السوري والفلسطيني هي إيران، ومرة أخرى هل يمكن القيام بعمل عسكري ضدها بالتعاون مع إسرائيل دون أن يكون حديث السلام كثيرا حول القضية الفلسطينية؟.

* نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط" الدولية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.