عاجل

البث المباشر

سليمان تقي الدين

كاتب وصحافي لبناني

كاتب وصحافي لبناني

سوريا والسباق إلى الذروة

أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بعد لقاءات واسعة مع القوى السياسية اللبنانية، لا تراهنوا على لقاء الرئيسين أوباما وبوتين، الأزمة في المنطقة معقدة . وكان السياسيون والمحلّلون على السواء ينتظرون الحوار الأمريكي - الروسي لبلورة حل سياسي للأزمة السورية، وذهب معظم هؤلاء إلى التخمين أن هذا اللقاء سيضع اللمسات الأخيرة على تفاهم جنيف ،2011 فهؤلاء، أعني المتفائلين، لا يقيمون وزناً كافياً لمصالح الدول الكبرى وتشعباتها وآليات تحقيق هذه المصالح بمقدار ما يقاتل من أجلها الفرقاء المحليّون . بل إن الراغبين أو المتوقعين للتسوية السياسية كأنهم لم يختبروا السنوات الطويلة للنزاع في لبنان أو العراق، ولم يدركوا في الوقت نفسه كم تستطيع القوى المحلية على صعيد إدامة العنف بعد أن تجذّر في بنية المجتمع وأورث أحقاداً وأنتج مصالح كذلك للجماعات تسهم في إطالة أمد النزاع . وكما هي الحال في تجربة لبنان فإن إشاعة أجواء عن تقاسم المصالح الدولية يتقاطع مع تقاسم للسلطة أو إقامة شكل من أشكال التقسيم الواقعي، يؤدي عادة إلى اعتبار كل طرف نفسه يملك ملاذاً أخيراً آمناً ومخرجاً يعتبره نصراً جزئياً . ولا شك في أن الحال في سوريا ليست مختلفة عن لبنان والعراق، وإن تفتّت النسيج الاجتماعي ونزاع المكونات والهويات قد بلغ مرحلة متقدمة أو هو يتعمق كل يوم بفعل مخطط واعٍ أو بمصادفات الحرب وتداعياتها .


ولعلنا بدأنا نشهد بوضوح فرزاً انتقل من الولاء السياسي إلى الولاء الطائفي، ما يعطي التفكير أو التخمين باحتمالات تقسيم سوريا بعض المشروعية . إلاّ أن الأمر الجوهري هو فهمُنا أن مثل هذا المسار غالباً ما لا يتم بوصفه هندسة جديدة لكيانات حقوقية يرغب المجتمع الدولي أو القوى الدولية في الوصول إليه كهدف بحدِ ذاته .


فقد تكون النتائج هي حصيلة تفاعلات على الأرض لاحتباس سياسي وتوازن أمني فلا تتردد الدول الكبرى في التعامل معه كأمر واقع . وقد يكون ذلك كما تفيد بعض التقارير الواردة من واشنطن من ضمن تطورات الحل السياسي إما للاحتفاظ بالوحدة الكيانية لدولة ما، فيجري البحث في نظامها الفيدرالي، وإما من ضمن الخيارات التي يجري فحصها كأحد شروط التسوية بين متنازعين من طوائف مختلفة، أو بين دول تتدخل ولا تجد تعبيراً عن نفوذها إلاّ في سياق بسط حمايتها لفئة أو منطقة أو جماعة . ولطالما عرفنا في الحرب اللبنانية فصولاً من هذه المشاهد حيث أسهم الطرفان الغربي والشرقي وخاصة الأمريكي والسوفييتي، آنذاك، في تشجيع أصدقائهما على إقامة مناطق نفوذ شبه مستقلة .


وكيفما نظرنا إلى الأزمة السورية الآن فمن المؤكد أن تشعباتها، ولا سيّما المداخلات والمصالح الخارجية، قد تصاعدت مع الوقت، وأن حضور بعض الأطراف قد تخطّى حدود التأثير السياسي إلى الفعل الأمني .


وقد ازداد تورط بعض الأفرقاء اللبنانيين وانخراطهم في ما يعتبرونه مصالح استراتيجية من جهة أو أسباباً عقائدية، بينما تشارك دول الجوار ومن وراءها في محاولة لتأكيد دورها المستقبلي في مصير سوريا أو الحل فيها . والأزمة السورية في أساسها لا تخرج عن كونها ترجمة لنظام إقليمي جديد، أو أنها تعبير عن مناخ عام يسود المنطقة ويحتاج إلى أن يزال آخر مواقع النظام القديم وطريقة أدائه في الداخل أو الخارج . فإذا كان مستقبل الوضع في سوريا مرهوناً اليوم لتفاهمات إقليمية ودولية أكثر مما هو في أيدي السوريين أنفسهم، فهو يشتبك مع مصالح أبعد من سوريا ذاتها إلى القوى التي تتدخل فيها ولاسيّما ثلاثي (إيران، تركيا، والدولة العبرية) .


ويزيد الوضع تعقيداً بعد أن استنفرت الأزمات في بلاد الشام، من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا، كل العصبيات الأهلية، ولم تعد خافية أو خافتة أسباب التوتر في الثنائي السني - الشيعي على امتداد هذا الإقليم . وفي نزاعات الدول تتعارض المصالح وتتقاطع أحياناً حيث يؤدي النقيضان المهمة نفسها والوظيفة ذاتها، فيسهمان في خلق أوضاع تنتهي إلى تقاسم النفوذ إذا تعذرت سيطرة طرف واحد . ولعل الحديث عن الحلول السياسية يعزّز أحياناً تصعيد العنف لتحسين المواقع ورسم خرائط السيطرة فيكون بمثابة الاعتراض على شكل من الحل أو دفعاً إليه .


بعد سنتين من الأزمة السورية لا نكاد نلمس أي أفق لحل سياسي بالمعنى الذي تعنيه التسويات المشتركة، وذلك لمصلحة المزيد من انهيار مقومات المجتمع .

نقلاً عن "الخليج" الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات