عاجل

البث المباشر

فرنسا ورهاناتها الدفاعية الجديدة

تشهد العقيدة الدفاعية الفرنسية مرحلة مخاض وتحوّل جديدة نتيجة للتطورات الدولية والإقليمية المتسارعة، لاسيما أن النفوذ الفرنسي بدأ ينحسر بشكل ملحوظ في مناطق عديدة من العالم، بسبب تراجع القوتين الاقتصادية والعسكرية لفرنسا بوصفها دولة استعمارية سابقة . والحقيقة أنه ومنذ تخليها عن معاقلها في الهند الصينية وانهزامها في حربها ضد الثوار الجزائريين، ظلت فرنسا ترتكّز في علاقاتها الدولية على رصيدها التاريخي، وبقيت بالتالي تعتمد على ما يمكن تسميته برصيد قوتها الافتراضي والمعنوي، لأن تعداد القوات العسكرية الفرنسية المقاتلة تقلص مرات عديدة، وبخاصة منذ مرحلة التسعينات من القرن الماضي . وعليه فإن الكثير من الخبراء الفرنسيين يعترفون بأن باريس لم تعد تملك، في المرحلة الراهنة، الإمكانات الكافية لتجسيد سياساتها وبرامجها الاستراتيجية، وأن خططها وطموحاتها باتت تتجاوز قدراتها وإمكاناتها الحقيقية والفعلية .


ويمكن القول إن قسماً كبيراً من النخب السياسية الفرنسية بات الآن منشغلاً بالخطط الجديدة التي سوف تعتمدها باريس في ما يتعلق بتطوير عقيدتها الدفاعية حتى تتأقلم بشكل ملائم مع الرهانات والتحديات التي ستواجهها فرنسا مستقبلاً، بسبب تداعيات ما يسمى الحرب ضد الإرهاب، والواقع السياسي الذي أفرزه “الربيع العربي”، علاوة على تخلي الولايات المتحدة عن سياستها المتعلقة بالحروب الاستباقية وتركيز جهودها العسكرية والاستراتيجية على منطقة آسيا والباسيفيك . ويحذر الساسة والخبراء الفرنسيون مما يسمونه “المفاجأة الاستراتيجية” التي يمكن أن تقع نتيجة التغيّرات غير المتوقعة التي تحدث في منطقة النفوذ التقليدي لفرنسا قريباً جداً من عناصر جغرافيتها السياسية، حيث تخشى فرنسا بشكل واضح من اختلال ميزان القوة في جنوب المتوسط، لمصلحة طرف أو أطراف على حساب أطراف أخرى أقلّ تمسكاً بخياراتها الاستراتيجية البعيدة المدى .


ولا نذيع سراً إذا أكدنا أن الظروف السياسية والأمنية في منطقة الساحل والمغرب العربي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الداخلي الفرنسي، فهناك نسبة معتبرة من سكان فرنسا تنحدر من هذه المناطق التي تشهد حالياً توترات أمنية، وضعفاً واضحاً في الاستقرار السياسي والمؤسساتي . وتأتي الأزمة الاقتصادية الحالية، التي تشهدها منطقة اليورو، لتفاقم من الصعوبات التي تواجهها باريس على مستويات عدة، وفي مقدمها المسائل المتعلقة بالجوانب الدفاعية والعسكرية، حيث إنه وبالرغم من كل ما يقال عن الكفاءة التي أبداها الجيش الفرنسي في حربه على “القاعدة” في جنوب مالي، إلا أن الكثيرين يذهبون إلى القول إن الجيش الفرنسي اعتمد اعتماداً كبيراً على القوات التشادية من أجل تجنيب جنوده مخاطر الاحتكاك المباشر مع المسلحين الإسلاميين في منطقة الساحل، ومن غير المستبعد أن يؤثر هذا الاعتماد الفرنسي على القوات الإفريقية في الاستقرار والأمن في دول غرب إفريقيا التي تحتضن في معظمها قواعد عسكرية فرنسية . وقد اعترف الفرنسيون، في السياق نفسه، بأن باريس كانت سترتكب خطأً دفاعياً جسيماً لو أنها نفذت تعليمات إدارة ساركوزي السابقة، التي أوصت بضرورة التخلي عن تلك القواعد العسكرية .


من الواضح أن قسماً كبيراً من الفرنسيين يشعرون حالياً بقلق بالغ بشأن العقيدة الدفاعية المتبعة من طرف قيادتهم السياسية، ويحذرون من مغبة الخضوع لدكتاتورية المعادلة الحسابية المتعلقة بالميزانية، ويؤكدون أيضاً أن السياسة الدفاعية القائمة على الردع النووي لم تعد كافية الآن، وتعتبر مكلفة في الكثير من جوانبها، وفضلاً عن ذلك فإن باريس ليست مجهزة بشكل ملائم من أجل مواجهة حروب غير تقليدية من مثل الحروب المعلوماتية . ومن الأهمية بمكان أن نعترف في هذا السياق بأن قسماً كبيراً من التحولات التي حدثت مؤخراً في جنوب المتوسط قدّمت خدمات مجانية للسياسة الدفاعية الفرنسية، وفي مقدمها تراجع الولايات المتحدة عن جزء من نفوذها في المنطقة لمصلحة شركائها الأوروبيين، وقد عبّر أحد الخبراء الفرنسيين عن هذه الوضعية بقوله: “ليس الآن وقت خفض مستوى التجنيد العسكري الفرنسي، لاسيما في هذه الفترة التي حصلنا فيها على موقعنا الجيوسياسي الذي كنا نحلم به” .


ويرى الملاحظون من ناحية أخرى، أن باريس أخطأت إلى حد كبير عندما أرادت أن تستثمر نجاحها وإسهامها الفعال في الإطاحة بنظام القذافي في ليبيا من أجل تزعم الخط الغربي المتشدد الهادف إلى إسقاط نظام الأسد في سوريا، لأن المعطيات الجيوسياسية والجيواستراتيجية في هاتين الدولتين مختلفة إلى أبعد الحدود، من منطلق أن التركيبة السكانية في سوريا والجوار الإقليمي المحيط بهذا البلد، تختلف اختلافاً كبيراً عن معطيات الواقع الليبي، وفضلاً عن ذلك فإن عنصر المفاجأة في ليبيا الذي نتج عن انهيار نظامين جارين كبيرين في مصر وتونس، كان له تأثير حاسم بالنسبة لمساعدة فرنسا ومعها بريطانيا للثوار الليبيين من أجل حسم الأوضاع على الأرض . ويمكن الاستنتاج تأسيساً على ما سبق أن باريس قد فقدت فعلاً جزءاً إضافياً كبيراً من نفوذها في كل من لبنان وسوريا، ومن المستبعد جداً أن يكون لها مستقبلاً أي دور ريادي في المنطقة حتى في حال انتصار المعارضة السورية المسلحة على قوات النظام .


ونستطيع أن نزعم في الأخير أن العيب الكبير الذي يميّز الاستراتيجية الدفاعية الفرنسية منذ نهاية حرب الجزائر، يكمُن في اعتقاد الكثيرين، في تمسكها بالخيارات الانفعالية والعاطفية على حساب المعطيات البراغماتية التي تميز العقيدتين الدفاعيتين لكل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن فرنسا فقدت وستفقد كثيراً عندما تراهن على أحصنة خاسرة، وعندما تركز أيضاً على مقولات أضحت أقرب ما تكون إلى لغة الخشب .

*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات