عاجل

البث المباشر

ساطور النيجيري اللندني

يصدق رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون حين علق على جريمة قتل جندي بريطاني في الشارع على يد متطرف اصولي افريقي مسلم، بالساطور، بالقول إن هذا العمل: «خيانة للاسلام».

وكان أحد المهاجمين في «غزوة السواطير» اللندنية، قد ظهر في لقطة على التلفزيون، وهو يمسك بساطوره الأحمر بالدم وهو يهدد، ويعد بالمزيد معللا ذلك بأن: «المسلمين يموتون كل يوم».

العجيب كان في رهافة حس القاتل النيجيري حين اعتذر للنساء اللواتي رأين هذا المشهد الدموي، مبررا ذلك في اعتذار «جنتلماني» رفيع، بأن النساء في بلده أيضا يشاهدن القتل.

شخصيا، لست متأكدا حقا من كون البريطانيين يقتلون النساء في نيجيريا!

التقرير الذي نشرته (العربية نت) عن هذا الشاب النيجيري، ذكرت فيه انه شاب مسيحي أسلم حديثا وهو من مواليد بريطانيا، ولا يعرف عنه انتماءات تنظيمية سابقة، هو ورفيقه الذي اصيب من قوات الشرطة في المواجهة.

لا شك أن هذه عملية صادمة، وخطيرة، وخطورتها تكمن في عنصر المفاجأة، حيث من المحال تجنيد قوات كافية، حتى لو كان ذلك مباحا قانونيا، لملاحقة كل المارة الذين تشتبه فيهم، ومن المحال أيضا أن تشتبه في كل شخص مسلم، او حتى مسلم افريقي.. هذا ضرب من المحال.

ما هو العمل إذن؟

العمل، مع الجانب القانوني الجنائي طبعا، هو في تحليل ظاهرة هذا الشاب النيجيري، ورفيقه، ومعرفة لماذا أقدما على هذا العمل المجرم، ومن حسن الحظ أنه لم يمت، وواضح أنه كان يريد ارسال رسالة محددة للغرب ممثلا بالأمة البريطانية، حيث تحدث في التصوير الذي التقطه له احد المارة، وهو مركز تماما على محتوى رسائله، ومن هنا فهو يمثل ذخيرة معلوماتية مهمة لمعرفة كيف يتم صناعة المتطرف الارهابي في الغرب.

ولا ننسى الشابين الشياشنيين، صاحبيّ مقتلة بوسطن في اميركا، فالأصغر منهما ما زال حيا، ويمكن الإفادة منه ايضا في هذا الجانب.

بالنسبة لي، كقول أول، أتوقع أن (من) أسباب وجود مثل هذا الشاب الإعلام وكثرة التدفق الفضائي في الأخبار عن الأزمات الدولية، ومشاهد القتل والدمار، حيث وفرت زادا تعبويا إعلاميا لمن يريد تجنيد امثال هذا الشاب النيجيري.

نعم يوجد قتل، وتوجد حروب، وهذا دأب التاريخ البشري، منذ وجد هذا المخلوق الطموح والطامع المسمى بالانسان، لا جديد في هذا، الجديد هو شغف الاعلام ولهفه على التغطية التفصيلية لكل قبائح الحروب، ومن هنا يكون سهولة تجنيد امثال هذا الشخص البسيط، وغيره، ولنا ان نتخيل لو كان هناك: سي إن إن، او سكاي نيوز، أو يوتيوب، وتويتر، أيام نابليون، أو أبي جعفر المنصور، هل كانت مسيرة التاريخ ستتغير؟!

لكن المهم هنا هو كلمة رئيس الوزراء البريطاني، كاميرون، عن عدم تحميل المسلمين كلهم جريمة واحد من سفهاء ابنائهم.

هذا جيد، وهو مقتضى العقل، والواقع المشاهد، لكن الأهم منه هو أن مشكلة الإرهاب الديني، في جانب منها، جزء من مشكلة أكبر، وهي تنامي العجز الدولي عن النزاعات الدولية، مثل المشكلة السورية. ويا للمفارقة! يقال إن عدم الإقدام على الحسم فيها راجع لوجود جماعات قاعدية فيها، وأن المقصود هو إضعاف هذه الجماعات، بينما الواقع يقول إن ترك المسألة من دون حسم، كما يفعل أوباما، هو بالضبط ما يفرخ الإرهابيين الجاهزين للتجنيد، في العالم كله، والعمل، ولو بساطور مطبخ.

الإرهاب الديني مشكلة لا تخص المسلمين وحدهم، بل هو مشكلة عالمية، مثل الاحتباس الحراري، والأزمة الاقتصادية؛ الجميع يعاني من هذا، من دون تمييز بين ثقافة وثقافة، وزملاء هذا النيجيري يمارسون القتل والخطف ضد المسلمين الآن، في تونس وليبيا ومالي وسيناء مصر، وطبعا باكستان وافغانستان، واليمن والسعودية... وغير ذلك كثير.

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات