الأمن.. الأمن!

مصطفى هميسي

نشر في: آخر تحديث:

لماذا صارت مشكلة الأمن مشكلة المشكلات في الكثير من البلدان العربية؟ هل لذلك علاقة بفشل الدولة في هذه البلدان؟ أم أن ذلك تعبير عن استراتيجية وعن إرادات داخلية وخارجية؟ الشك قائم وبقوة.

في تونس وفي ليبيا وفي مصر وسوريا والعراق وفي السودان والصومال واليمن ولبنان وفلسطين، ليس بناء الدولة هو الهاجس الطاغي للنخب، ولا هو موضوع جدلها وخلافها الأول، وليس محتوى الدساتير ولا طبيعة النظام السياسي الواجب بناؤه، وأحسن مناهج تجسيد الحرية والديمقراطية. وليست التنمية وأحسن الاستراتيجيات والسياسات من أجل تجسيد أي رؤية تنموية هي الشغل الشاغل، وليس الجدل الأول اليوم هو عن أحسن نظام تعليمي، وأقل من ذلك عن أحسن حال من أجل التخفيف من التبعية، ولا عن أحسن طبيعة علاقات خارجية يمكن وينبغي بناؤها، وأقل أقل من ذلك عن أحسن السبل وأنجعها لبناء عمل وحدوي في المغرب أو في المشرق. التنظيمات الإرهابية تتوالد بشكل مثير للانتباه، تتغير تسمياتها، تتغير قياداتها، تنتشر في ظروف غامضة وفي مناطق لا تبرر وجودها أحيانا كثيرة. نعم صار الهاجس الأمني هو الهاجس الأول. في كل هذا ينبغي أن نتذكر أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة جعل “الحرب على الإرهاب” مسألة استراتيجية، وإن كانت تصريحات جديدة للرئيس باراك أوباما تؤشر ـ إن لم تتحرك شبكات الضغط والمصالح الكبرى، صناعة السلاح والجماعات الصهيونية لإبطال التوجه ـ إلى أن الموضوع في حاجة لمراجعة استراتيجية عميقة. لقد قال الرئيس أوباما في خطاب منذ أيام بوضوح: “هذه الحرب، مثل باقي الحروب، يجب أن تنتهي. هذا ما ينصح به التاريخ وهذا ما تطالب به الديمقراطية”. لكن في بلدان المنطقة نراها “حرب تستعر”. لماذا؟ هل من أجل شغل الناس عما يعنيهم؟ هل الغاية هي الإساءة للإسلام وجعله العدو الخارجي للغرب في غياب الاتحاد السوفييتي، هل من أجل دفع النخب الحاكمة والمعارضة باتجاه الانشغال الأمني بدل التنمية؟ هل من أجل أن تستعيد أجهزة الأمن وأجهزة البيروقراطيات القديمة مكانتها في الحكم الجديد، وتجعل نفسها المنقذ الأول للنظام والسلطة، لحكم النهضة وحكم الإخوان وكل حكم قائم في المنطقة مهما كان لونه؟

هل من أجل تعطيل نشر الحرية وتعطيل قيام الديمقراطية وتعطيل قيام نظام علاقة جديد بين السلطة والناس وتعطيل إشراك الناس في معادلة الحكم واتخاذ القرار؟ أعتقد أن ذلك بعض مما قد تعنيه أو تعكسه هيمنة الهاجس الأمني. إن جعل الهاجس الأمني هو الهاجس الطاغي، يعني أيضا رصد وسائل مالية ضخمة من أجل الأمن عوض أن تضخ في برامج التنمية، ويعني جعل تقييد الحريات أمرا مسوغا بل و«مصلحة عليا!”. لكن لا بد أن نسجل أن المسألة الأمنية موضوع تعشق وسائل الإعلام في الغرب تناوله، وهو هاجس تفرضه النخب الحاكمة والمعارضة في هذه البلدان باعتباره مسألة إستراتيجية لا خلاف حولها إلا في تفاصيل إدارتها. إن التطرف والإرهاب وكل أشكال العنف لن تحقق أي شيء سوى تعطيل قيام أنظمة الحرية إلا خدمة استراتيجيات من حيث تدري، أو لا تدري، وخدمة غايات كثيرة معاكسة تماما لخطاب التبرير الذي تعتمده بعض الجماعات. السّلم والأمن والحرية والديمقراطية وتنظيم المجتمعات في عمل سياسي دؤوب من أجل التغيير، ومن أجل بناء دول المواطنين لا شيء يعطلها مثل العنف ومثل جعل الهاجس الأمني، هو الشغل الشاغل للأنظمة ومعارضاتها. على النخب الحاكمة وغير الحاكمة أن تجعل هذا الموضوع، موضوع نقاش عميق، وأن تجعله موضوع استراتيجية موحدة، وموضوع مواجهة سياسية موحدة، سواء في مواجهة الأطراف الداخلية التي تعمل على استعادة هيمنة أو على الهيمنة، أو في مواجهة استراتيجيات خارجية تجعل إمكانات هذه البلدان في خدمة هواجس استراتيجة ليست استراتيجيتها، ولا تخدم مصالح شعوبها أو معارك إلهاء، غايتها التعطيل أو خدمة إسرائيل وحساباتها في تعطيل كل تحول حقيقي في المنطقة، يحرّر الطاقات فعلا ويجعل المواجهة مواجهة تنموية وديمقراطية وليس أمنية عسكرية فقط.

نقلاً عن صحيفة "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.