القنابل الموقوتة فى علاقة مصر بحماس

أحمد يوسف أحمد

نشر في: آخر تحديث:

منذ نشأة حماس فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى كانت السلطات الرسمية المصرية تشعر بعدم ارتياح لأن هذا التنظيم الجديد يُمثل تحديا للسياسة المصرية تجاه الصراع مع إسرائيل، والتى كانت قائمة على مبدأ التسوية السلمية، خاصة أن المسئولين عن هذه السياسة كانوا قد بدأوا يشعرون بالاستقرار بعد أن قبل العرب جميعا، اعتبارا من قمة فاس لعام 1982 ــ بمن فيهم منظمة التحرير الفلسطينية ــ سياسة التسوية السلمية. أما القوى السياسية والشعبية فقد انقسمت فى موقفها من حماس تبعا لنظرتها لإسرائيل، فمن كان يعتبر أن السلام معها خرافة وأن الصراع لن يُحسم إلا بالحل العسكري.

ونظر إلى نشأة «حماس» بارتياح، أما من كان مؤمنا بجدوى التسوية السلمية فلم تختلف نظرته إلى «حماس» عن نظرة السلطات المصرية كثيرا، وتبقى قوة ثالثة لابد أن يحظى موقفها من «حماس» باهتمام خاص لأنه سوف يساعدنا كثيرا فى فهم تطور العلاقات المصرية معها بعد ثورة يناير 2011. تلك هى القوى المُمثلة للتيار «الإسلامى»، وعلى رأسها «جماعة الإخوان المسلمين» التى كانت تعرف جيدا أن «حماس» فرع من فروعها خارج مصر، ولذلك وجب دعمها بكل الطرق الممكنة.

●●●

هكذا بدا المشهد عشية قيام ثورة يناير فى مصر التى لعب «الإخوان المسلمون» دورا مهما فيها بعد بدايتها بأيام قلائل، وبعد انتصار الثورة شهدت المرحلة الانتقالية تراجعا للقوى المحركة لها بعد أن تشرذمت على نحو محبط، فيما تقدم الصفوف بالتدريج «الإخوان المسلمون» أصحاب الخبرة التنظيمية التى تجاوزت الثمانين عاما، وصولا إلى الفوز بمنصب رئيس الجمهورية الذى تسلم سلطته من «المجلس العسكرى»، لينقلب بعد فترة وجيزة عليه ويُعين قائدا عاما جديدا للقوات المسلحة، ويبدو فى غياب سلطة تشريعية منتخبة أنه أصبح ممسكا بكل خيوط السلطة، أى أن الحكم فى مصر أصبح «للإخوان المسلمين».

هكذا أصبح المشهد بعد تولى رئيس الجمهورية المنتمى «للإخوان المسلمين» منصبه. وكان الأمر المنطقى أن يبادر بترجمة العلاقة التنظيمية والعقيدية بين «الإخوان» و«حماس» إلى أفعال محددة بدأت بالدعم السياسى الواضح وزيادة المساعدات المصرية بشكل ملموس فى مجالات حيوية كالطاقة والدواء والغذاء، وهو عمل يُشرّف أى سياسة خارجية عربية، غير أن المعضلة أنه تم فى وقت كان الشعب المصرى يعانى فيه من أزمات فى هذه المجالات تحديدا، وكانت هذه هى أولى مشكلات النظام الجديد فيما يتعلق بسياسته تجاه قطاع غزة، وهى أنه لم يأخذ بالحساسية الكافية مسألة أن كل المصريين لم يكونوا من أنصار «حماس» مع أنهم فى المعتاد من أنصار القضية الفلسطينية، وبدت هذه أول قنبلة موقوتة فى العلاقات المصرية «بحماس»، بمعنى هل المساعدات التى تقدمها مصر «لحماس» مساعدات لشعب فلسطين أم لحركة «الإخوان المسلمين»؟

ثم أخذ المشهد يتعقد أكثر عندما أعيدت إثارة عدد من القضايا غير المألوفة، كان على رأسها قضية اقتحام سجن وادى النطرون وتهريب المسجونين والمعتقلين فيه، إذ أدى التحقيق فى هذه القضية الخطيرة إلى توجيه اتهامات محددة لحركة «حماس» بالمسئولية عن هذا العمل من جهات رسمية وعناصر غير رسمية كانوا جميعا فى قلب المعركة، وبطبيعة الحال نفت «حماس» أى دور لها فى هذا الصدد، ويجب ألا ننسى أنها كان لها سجناؤها الذين تم تحريرهم ووصلوا قطاع غزة وأذيعت مشاهد استقبالهم على فضائيات القطاع قبل أن يصل ضباط الشرطة الذين كانوا فى قلب المعركة إلى بيوتهم. ولا يدرى المرء ما الذى يمكن أن يحدث لو انتهت القضية المنظورة الآن أمام محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية بإدانة «حماس». من هنا بدأ الشك يتسرب إلى عقول الكثيرين فيما يتعلق بمسئولية «حماس» عن كثير من أعمال العنف التى شهدتها مصر فى أثناء أحداث الثورة وبعدها مثل التلميح إلى مسئولية «حماس» عن قتل الجنود المصريين الستة عشر فى رمضان من السنة الماضية كنوع من إثبات تراخى «المجلس العسكرى» السابق، بما يساعد رئيس الجمهورية على الانقلاب عليه. وبطبيعة الحال نفت «حماس» هذه الاتهامات نفيا قاطعا، غير أن المشكلة كما سبقت الإشارة أن الشك قد تسرب إلى العقول، وأن قطاعات واسعة من الرأى العام المصرى بدأت تكون لها منظومة ذهنية تستوعب كل هذه الشكوك، بل وتزيد عليها بغير أساس. والسؤال الخطير هنا ما علاقة «حماس» بالتنظيمات المتطرفة التى ترتدى لباسا دينيا وتقوم بممارسات لا علاقة للإسلام بها من قريب أو من بعيد، وإنما هى تشبه ممارسات عصابات الإجرام، وبهذا ربما تكون «حماس» بعيدة عن أى فعل لا تقوم به بنفسها، وإنما يمكن أن تستخدم لتنفيذه تنظيمات «معاونة» أو تابعة لها تنظيميا.

●●●

وفى الآونة الأخيرة التى شهدت اختطاف سبعة جنود مصريين ساد الغموض الأزمة من بدايتها إلى نهايتها، فلم نعرف أشياء محددة عن هوية الخاطفين أو الأطراف المشاركة فى التفاوض لحل الأزمة، وكيف انتهت الأزمة هذه النهاية السعيدة غير المتوقعة. ويبقى أخطر ما فى الموضوع، وهو أن تحويل القضية الفلسطينية من قضية «أمة» إلى قضية «إخوان» يقلص مؤيدى القضية وهم الكافة إلى مؤيدى «الإخوان» وهم أقلية، وهى خسارة استراتيجية فادحة للقضية. بُنى المقال على ما لم يثبت بالضرورة أنه حقائق لكنه يحيط بنا فى الهواء الذى نتنفسه ثقيلا، فلتكن جهودنا جميعا فى اتجاه إثبات الحقائق والعمل على ترشيد المسار.

*عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.