لكي لا تختلط الأوراق وتتداخل الخنادق

صباح ناهي

نشر في: آخر تحديث:

أسئلة صعبة ومعقدة أمام العالم العربي لابد من مواجهتها في لحظة تاريخية لا نحسد عليها, لاسيما العقلاء المدركون لأهمية أن يظل "الأمن القومي العربي" محافظا على حدوده الدُنيا, التي تضمن البقاء والاستمرار في المجتمع الدولي, كقوة تظل يحسب لها ألف حساب, والأهم أنها قادرة على مواجهة التحديات التي تفرض نفسها بديلا علينا, في دائرة الصراع الداخلي الذي يجابه المنطقة و"هستيريا التجييش" التي تلعبه بعض الأطراف على حساب قاعدة الأمن العربي التي ينبغي أن يقف عندها هذا العالم, بكل معطياته الاقتصادية والجغرافية والسياسية, تاريخاً وذاكرة للإنسانية , وقيمة بشرية لا يستهان بها , لأنها حاضنة للأديان جميعها منذ أقدم العصور وفيها ذاكرة العالم القديم وكل شفراته الفكرية والمعتقدية.

عقلاء الأمة ومفكروها منوطة بهم مسؤولية تضاهي مسؤولية أصحاب القرار في بلداننا العربية الذين يتحملون كل هذا الضغط الرهيب من التحديات الداخلية والإقليمية بعد فرض "مبدأ شد الاطراف" على دول الطوق العربي التي تعاني أكثر من غيرها من محاولات تكسير بُناها الوطنية بكل الوسائل في هجوم كاسح على كيانات البلدان العربية عموما والتي من دون شك تتحمل الكثير منها تهيئة أجواء التدخل بشؤونها حين توغل بتعذيب شعوبها وعدم احترام رغباتها ومن دون مراعاة تطلعاتها, لهذا فإن ظاهرة ما يسمى بـ"الربيع العربي " هو خريف للأنظمة التي لم تكن ترعوي أن العالم قد تغير وأصبحت السيادة فيه منوطة بقدرة الدول على الانسجام مع قواعد اللعبة الدولية واّلياتها وبالأخص احترام فكرة "المشاركة" واعتماد "اللعبة الدستورية " التي تجعل الدول تُحاكم على دساتيرها وآلياتها, مع تحفظنا الشديد على مقدرة ضمان مصالح الشعوب العليا وفقا لتلك الدساتير والمشاركات.

الإشكالية الأهم في معادلة الاستمرار المتوافق مع العالم المعاصر وضمان حرية النمو للدول هو إدراك حقيقي بأنها ليست وحدها في معادلة الحكم وأن هناك آخرين لهم مصالح معنا لابد أن نرعاها, كي نراعي استمرار تفاعل العالم معنا بحصيلة المعلومات والتطورات التي تفرزها معطيات التكنولوجيا الدولية التي من دون شك نحتاجها كما يحتاجنا أصحابها كسوق وممر لتصريف بضائعه ويشاركنا في التبادل التجاري وهي بالمحصلة أساس نمو اقتصادنا الذي يظل معتمدا على أحادية الاقتصاد الريعي المعتمد على تصدير الطاقة.

وعليه فمن الأساسي أن تُسد ثغرة محاججتنا بالتعددية والمشاركة أي العمل جديا على التفاهمات الداخلية وخلق قناعات وطنية بأن التنوع لدينا بأشكاله المختلفة مذهبيا وطائفيا وعرقيا وثقافيا هو ميزة للعالم المعاصر من حولنا وليس مقتصرا علينا ولنا في الهند والصين وأمريكا وسواها خير أمثلة, يشتركون معنا فيها بل المجتمعات البشرية صغيرها وكبيرها متنوعة لكنها تمكنت من إشاعة معادلة حكم أخرى لا تعتمد على العرق والتمذهب والإثنيات والولاءات, وأن إدراك هذه الحقيقة من دون شك تفوت الفرصة على "مخترقي السيادة" من التوغل في ساحاتنا أكثر مما هم متوغلون اليوم بدعوى أننا لا نحترم تلك الميزة البشرية, مع إدراك معمق بأن المجتمعات التي نحيا فيها مرتبطة بموروثات تاريخية، الى الحد التي يعيش بعضها في أجوائها ومرتهنة لها, مما يجعلها متوترة لأنها غير قادرة على الخروج من شرنقتها وتبني كل تصوراتها للمستقبل برؤية الماضي !

ويأتي "غياب التعددية" ليزيد الطين بلة ليتسبب "كمتغير ضاغط " مثير للصراع السياسي بين المكونات المختلفة ليصل في مرحلة فقدان الرؤية الى الصِدام حين يُمسك به "الخصم الإقليمي" ويحركه وفق مصالحة وأهوائه, فتتحول تلك المكونات الداخلية الى صدى لأصوات الخصوم, والخسارة الأكبر لنا تمكن الأجندات السياسية التي تجد صداها فينا لنكون "ملعب الصراع" وكما يقول العسكر "منطقة الأرض الحرام" أي منطقة القتل, مستغلين ميزة التنافس المذهبي الذي يتاجر به البعض ويُغلبه على مصالحنا الوطنية ومشاريع نمونا كاملة متطلعة لحياة أفضل شأننا شأن بقية الأمم.

إن المحرك الرئيس في عدم الانسجام والتصارع اليوم بين مكونات المجتمعات العربية ينبعث من "غياب العدالة" في أغلب بقاع عالمنا العربي, والتحكم لمُسلمة "الولاء" قبل "الكفاءة" في المجتمع الواحد, عند الاختيار مما يجعل الأفراد يتكتلون وينزوون ويحتمون تحت عباءة طوائفهم ومللهم ونحلهم بعد أن عانوا من التهميش حد المبالغة والشكوى المستمرة لتأتي مجاميع وتنظيمات ذات مشاريع سياسية وطائفية لتحاكي رغبات هؤلاء الناقمين على إدارات مجتمعاتهم ثم يتحول الوطن هو الخصم والدولة هي العدوة ويسود التعصب الديني والإثني, لابد من وقفة شجاعة كي نتمكن من وقف الهدر في طاقة مجتمعاتنا وتصويب أدائها.

و يلخص أحد مفكري العالم العربي ذلك بالقول: "في أي بلد يحتضن فسيفساء من الهويات الثقافية والدينية، مهما كان حجمها وتعددها؛ كقاعدتي الديمقراطية والمواطنة الدستورية. لابد من احترام إنسانية المواطن التي يجب أن تكون هي المدخل لحقوقه وواجباته، بصرف النظر عن عرقه وديانته وثقافته. واعتماد صيغة الدولة الدستور ومؤسسات بمعنى أنه لا مكان فيها للقرارات الارتجالية والهوائية.

فنجاح الدولة في تطبيق قاعدتي "المواطنة الدستورية" و"الديمقراطية التوافقية" التي تجمع ولا تفرق، والتي تقوم على شراكة دستورية بين كافة أطياف المجتمع يعزز استقرار الوطن، كما أن حصول كافة أبناء الشعب، أو أغلبه، على رفاهية إنسانية وحياة كريمة، يعزز انتماءهم لبلدانهم وليس لطوائفهم".

إن معادلة الحكم الرشيد لابد ان تستند الى قاعدة المواطنة لا الى الاعتماد على "الغلبة" التي قد تفرضها صناديق الانتخابات أحياناً, فالدولة مهما كان شكلها وحاكمها هي مؤسسة خدمات تنجح حين يقودها حاكم يحسن توزيع الأدوار, ولا يكون خصما مناصرا لمكون على حساب غيره, الدول باقية والأفراد راحلون, لكن أفعالهم تجعلنا مكبرين لهم دوماً أو ناقمين عليهم أبداً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.