الكيان السياسي والمجتمع السياسي

سليمان تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:

كل الكيانات السياسية على امتداد العالم صنيعة ظروف تاريخية سياسية واجتماعية. معظم هذه الكيانات ذات حدود جغرافية مصطنعة لا «طبيعية». موجة القوميات التي ظهرت في القرن التاسع عشر أنجزت كيانات للعديد من الأمم لكن ليس كل الأمم. انتهى عصر الإمبراطوريات الكبرى مع تفكك الاتحاد السوفياتي لمصلحة أنظمة التعاون الإقليمي الذي جسّده الاتحاد الأوروبي وبعض الاتفاقات الدولية الأخرى.

خرجت معظم الكيانات العربية الحديثة من الإمبراطورية العثمانية بمزيج من الأوضاع التاريخية السابقة والتدخل الاستعماري الأوروبي. سايكس بيكو ليست إلا اتفاقا لبلاد الشام والعراق ولا تشمل كل البلدان العربية. الإثم الأساسي لسايكس بيكو أنها الوجه المكمل لوعد بلفور وانتزاع فلسطين من شعبها وإقامة كيان صهيوني مصطنع ذي وظيفة إمبريالية.


أتيح للدول العربية أن تنشئ منظومة إقليمية هي الجامعة العربية ثم تجارب وحدوية عديدة. لم تكن المشكلة في الحدود ولا في الرابطة العربية. المشكلة الأساسية أن كيانات تملك مقدرات ضخمة لم تنجح في بناء دول وطنية حقيقية، ثم هي لم تنجح في تقوية النظام الإقليمي العربي. لم يكن حالنا أفضل لو أن مملكة عربية واحدة قامت في بلاد الشام، أو قامت وحدة سورية عراقية بالنموذج السلطوي نفسه.


لا تشعر مصر بحاجة كيانها إلى تتمة جغرافية أو ديموغرافية وهي لم تنجح في إرساء قواعد الدولة الحديثة. استقرار الجغرافيا المصرية وعمقها التاريخي لم يحسما في وظائف الدولة.
المسألة أن جميع الكيانات السياسية ذات قيمة نسبية بقدر ما يتصل الأمر بالتقدم الاجتماعي والإنساني. إذا كنا بصدد المفاضلة والاختيار فلا شك بأهمية وجدوى الكيانات الكبرى والتي توازي المعطيات القومية والتاريخية وتوفر شروطاً أفضل للتنمية والموارد والطاقات البشرية وتنزع مشكلات الحدود.


لكن انفصال الصين الوطنية لم يكن عائقاً أمام تقدم الصين الشعبية ولا انفصال باكستان عن الهند ولا استقلال دول أوروبا الشرقية عن روسيا. ولا انفصال مناطق عربية عن الكيانات الحالية هو السبب في أزمتها باستثناء الكيان الصهيوني بوظيفته أولاً وأساساً.


في واقع الحال لم تتجاوز الكيانات العربية المستقلة حدود سايكس بيكو فلا جيوش سوريا والعراق استطاعت إنقاذ الفلسطينيين من مجزرة الأردن عام 1970. ولا الجيوش العربية استردت فلسطين أو الضفة الغربية والقطاع بعد 1967. ولا سوريا التي حكمت لبنان ثلاثة عقود أنشأت علاقات أخوية بل خرجت منصاعة لقرار دولي أعطاها شرعيتها من قبل وتركت خلفها جروحاً عميقة في العلاقة مع الشعبين اللبناني والفلسطيني.


فما معنى الحديث اليوم عن تجاوز سايكس بيكو إلا المزيد من الاندفاع في سياسات التجزئة الناتجة عن فشل نموذج الدولة الوطنية؟ لكن هذا الفشل ليس في الكيانات بل في طبيعة الدولة. وهو فشل لا تحلّه خيارات الفصل بين المكونات الدينية والقومية ولا اجتماعها. فحيث عجزت هوية العروبة لا ينجح الإسلام السياسي.
فالمسألة أصلاً ليست في الهوية الإيديولوجية للدولة بل في آليات عملها السياسي والمصالح التي تسيّرها، وأنظمة الحقوق التي ترتكز عليها. على أي حال لم نلحظ مشروعاً دولياً لتقسيم المنطقة بالمعنى الذي كان في عهد الاستعمار الأوروبي.


ونكاد نقول إن العرب أنفسهم يضعون دولهم وشعوبهم على مائدة الدول الكبرى لكي تصير مناطق نفوذ على أساس «الحمايات» التي تذكر بالقرن التاسع عشر وليس بسايكس بيكو.


ومن المؤلم أن الاحتلال الأميركي لأفغانستان لم ينتج المفاعيل نفسها لما حصل في العراق. والاحتلال الإسرائيلي والأطلسي للبنان لم ينتج تقسيماً في لبنان أو تفكيكاً لسوريا، كما يحصل اليوم جراء تعاطينا مع مشكلاتنا وأزماتنا الوطنية بفكر سابق على فكر الدولة والسياسة الحديثة.
فهذا العنف الذي نريد حل مشكلاتنا به يصدر عن إنكار الآخر والحطّ من قدره الإنساني وحقه في الاختلاف وحريته في الوجود في مساحة الدولة والحقوق المتساوية. وليست المذهبيات إلا تجليات لمشاريع التطييف السياسي الذي «يصهين» الثقافة الدينية ليحولها إلى مشروع سياسي ومن ثم كيان دولتي.


في واقع الأمر نحن ننتج فاشيات طائفية تحوّر المشكلات من الصعيد الاجتماعي والسياسي لتضعها في ثوب إيديولوجي ديني بهدف عدم الاعتراف بها وحلها وفق الحاجات الإنسانية المعاصرة. سيّان أكانت هذه الإيديولوجيات قومجية أو دينية هي التي يستخدمها الإسلام السياسي بكل منوعاته.


فالإسلام السياسي شأنه شأن الفكر القومي يركز على هوية الجماعة ووحدتها وتنميط سلوكها في سبيل هدف لا يتصل بحياة الناس بل باتحادهم تحت راية واحدة. الإنجاز هو في مصلحة الجماعة المغلقة على هذا الانتماء وليس للمجتمع عامة بجمهوره وفئاته وتياراته وتنوعه الديني أو الثقافي أو الاجتماعي.


يمكن للإسلام السياسي أن يحقق بعض أهدافه في قوة الجماعة وكيانها لكنه لا يستطيع أن يخرج من هذا التفكير الشمولي إلى مشروع الحرية الإنسانية. يستهلك الإسلام السياسي الثقافة الدينية ويتطيّف حكماً كما في جميع التجارب أي يتحول إلى عصبية سياسية ومؤسسة سياسية خاضعة لضغوط مصالحها الداخلية لا إلى حاجات التطور الاجتماعي. لا شيء حتى الآن يناقض هذه الصورة على ما نعلم.


العرب بحاجة إلى التحرر من تسلّط الإيديولوجيات من أجل إدارة حياتهم وشؤونهم بطريقة أفضل.
*نقلا عن "السفير" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.