وُلِد التيار الإخواني في مصر و"يَموت" في مصر

جهاد الزين

نشر في: آخر تحديث:

تعطي مصر اليوم تحت رئاسة وحكومة "الإخوان المسلمين" الانطباع عن أنها أصبحت بلدا غير قابل للحكم. لا يُحكم. النمط الذي "تنتمي" إليه معظم الكتابة السياسية- وهي أمر مختلف عن العمل السياسي- يرتبط بالمحاجَجة.

خصوصا محاججةَ المصالحِ وهي "أعقل" أنواع المحاججة. للأدب السياسي الأميركي إرث طويلٌ في السياسة الخارجية في بحث المواءمة والتناقض بين مستلزمات الموقف القِيمي والموقف المصلحي حيال وضع سياسي في منطقة أو بلدٍ معيّن وبالتحديد في العالم غير الغربي أو غير المعتبَر منه.في المحاجَجة الدائرة على أرض مصر حاليا بين النخب الليبرالية والقومية واليسارية، وهي كلها تعبيرات "العلمانية" المصرية الحالية، وبين "الإخوان المسلمين" وحلفائهم السلفيين، ما هو أكبر وأعنف من مواجهة بين ثقافتين سياسيّتين تصارعتا طويلا. وأكاد أقول هنا أن ما هو أهم من المحاججة، وهي أساسية، هي مواصفات التحاجج وقواه.

الذي يثير الإعجاب الشديد حيال هذه النخب العلمانية – وهي محتشِدة بمن يعتبرون أنفسهم مسلمين طبيعيين إضافةً إلى غير المسلمين- هو هذا الإصرار بل الدأب الذي لم يهدأ منذ لحظة سقوط الرئيس حسني مبارك في مواجهة ما بات يسمّيه البعض "الخطر الإخواني" كخطر على مصر، بنظرهم ونظر كثيرين جدا، بل حتى على شخصية مصر.شخصيات سياسية وثقافية وفنية وأكاديمية واجتماعية واقتصادية بارزة ومعها عشرات الألوف من الشباب المتعلّمين الفايسبوكيين والتويتريين من الطبقة الوسطى في المدن يخوضون "حرباً" يومية على جبهات مختلفة ضد "أخونة" الدولة المصرية وإخر فصولها الفضائحية اختيار إسلاميين ذوي سجل متزمّت محافظين لبعض المحافظات المصرية وبينهم شخص ينتمي إلى جماعة كانت مسلحة وقامت بعمليات إرهابية ضد السياح الأجانب في سنوات سابقة جرى تعيينه محافظاً على "الأقصر" جوهرة تاج السياحة المصرية على المستوى العالمي بمعبدها الفرعوني العملاق الأحجام.من يتابع الشاشات المصرية وبعض وسائل الاتصال الاجتماعي والتي تعكس زخما هائلا من الاعتراض النخبوي الواسع والمستند إلى قاعدة جماهيرية كبيرة وإن لم تصبح أكثرية شعبية أو انتخابية حتى الآن (مع أن هناك بين أصدقائنا المصريين من يقول أنها أصبحت؟)... من يتابع هذه الشاشات والوسائل يمكن له أن يخرج بانطباع أساسي هو أن التيار المعروف بـ"الإخوان المسلمين" وُلد في مصر وقد "يموت" في مصر.

التيار الذي وُلد عام 1928 ووصل إلى السلطة عام 2012.لقد نجح "الإخوان" في المعارضة ولكنهم على ما يبدو قياسا بحجم التحدّيات في مصر سائرون نحو فشل ذريع في الحكم يمكن أن يتحول إلى هاوية تاريخية لكل هذا التيار.تعطي مصر "الإخوانية" اليوم الانطباع عن أنها أصبحت بلدا غير قابل للحكم. لا يُحكم. فجهاز الدولة الذي واجه تقليدياً في العصور الحديثة معضلة ارتباط الفقر بالزيادة السكانية وارتباط التخلف بهذا الفقر يبدو حاليا عاجزا عن التقدم، أي تقدم. ونشهد يوميا دلائل على ضعف خطير وغير معهود في قدرات البيروقراطية المصرية. هذا في السياسة الداخلية.

أما في السياسة الخارجية فمن الواضح العجز التام للديبلوماسية المصرية عن بناء شخصية متميزة لها فكيف بشخصية قيادية تبدو حاليا-وسط تَحَسُّرِ نخب الثقافة الوطنية- فاشلة تماما.كان من دواعي تعجُبي كمراقب منذ اللحظة الأولى لنجاح "الإخوان" في إيصال رئيس جمهورية منهم كيف لا يعتمدون في بلد يواجه هذا الحجم من المهام "المستحيلة" داخليا والصعبة جدا خارجياً، كيف لا يعتمدون سياسةً إئتلافية مع قوى أخرى مثلما فعل "إخوان" تونس في "حركة النهضة" باختيار رئيس جمهورية وبرلمان مع تيارين سياسيّن مختلفيْن عنهم. وتونس بلد ليس فقط أصغر بكثير من مصر بل إن حجم مشاكله الموروثة على أهميتها لا يُقارن بمصر. هكذا استبعدوا فكرة الإتيان بشخصية من خارج تيارهم إلى رئاسة الحكومة ولم تعكس سياساتُهم الأخرى رغبة بالانفتاح على تيارات في مجالات مختلفة إذا استثنينا اضطرارهم لتعيين قائد للجيش وفقا لاختيار المؤسسة العسكرية ووزير للخارجية باهت من داخل المؤسسة الديبلوماسية.أسوأ ما يمكن لنظام حكم أن يشهد هو ظهور العناصر والعوامل البناءة والإبداعية في المجتمع سائرةً بل حاضرةً بمعزل عن نظام الحكم أي بمعزل عنه.بالفعل هناك مشكلة خطيرة في مصر إسمها العجز "الإخواني" عن قيادة البلد والدولة.

كلنا متضرّرون من بيروت إلى الرباط وما بينهما. فكيف لو أضفنا توصيف محمد حسنين هيكل عن "الكوارث الثلاث" في "ملفات النيل والحوار الوطني وسوريا" وكيف أيضا لو أضفنا معلومة محمد البرادعي الأخيرة عن تهديد محمد مرسي للمجلس العسكري بـ"إحراق البلد" إذا عُيّن رئيس حكومة لا يريده "الإخوان".

*نقلا عن صحيفة "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.