الحياد خدعة تغري اللبنانيين وحدهم

فيصل جلول

نشر في: آخر تحديث:

هل مازال بوسع لبنان أن يظل على الحياد إزاء الأزمة السورية؟ وهل يمكن لبلد ضعيف ومحاط بقوى إقليمية مهمة أن يمارس سياسة محايدة إزاء جيرانه؟ هذه الأسئلة وغيرها كان لا بد من أن تعود إلى الواجهة بعد الأحداث الخطرة التي شهدتها مدينة صيدا عاصمة الجنوب اللبناني مؤخراً . ولعل التدرج المنطقي يستدعي الإجابة عن السؤال الأول . فمن المعروف أن الحياد اللبناني تجاه الأزمة السورية قد أعلن منذ عام تقريباً عبر ما سمي حينذاك ب “إعلان بعبدا” الذي حظي بموافقة أطراف “الحوار الوطني” اللبناني الموزعة على تياري 8 و14 آذار، وينص الإعلان في المادة 12 من بنوده على “ . . تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنية وسلمه الأهلي إلا ما تعلق بواجب التزام قرارات الشرعية الدولية والإجماع العربي والقضية الفلسطينية المحقة بما فيها حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم” .


وحدد البند رقم 13 إجراءات تفصيلية من بينها “ . . ضبط الأوضاع على الحدود اللبنانية السورية وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان ضد سوريا أو استعمال لبنان مقراً وممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين . . مع الاحتفاظ بحق التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي، على أن يكون تحت سقف القانون والدستور اللبناني” .


الوجه الأبرز لالتزام لبنان بالحياد انحصر في قرارات جامعة الدول العربية تجاه الأزمة السورية، فقد اقترع لبنان على مجمل تلك القرارات بصيغة “النأي بالنفس” المنسجمة مع الحياد، غير أن مجريات العام الماضي قد بينت بوضوح أن أطرافاً لبنانية عديدة اشتركت في الأزمة السورية، سواء بإرسال المقاتلين الأجانب عبر الحدود اللبنانية إلى مناطق القتال السورية، أو الانخراط المباشر في القتال، أو شراء الأسلحة وسائر عمليات الدعم اللوجستي، الأمر الذي يتناقض مع صيغة الحياد التي تتيح فقط التضامن الإعلامي والسياسي مع السوريين سلطة ومعارضة .


والملاحظ أن الدولة اللبنانية لم تبادر إلى قطع دابر المشاركة اللبنانية السافرة في الحرب السورية، ولم تضع حداً لقوافل المقاتلين المتوجهين إلى سوريا، ولم تضرب بيد من حديد على أيدي مهربي الأسلحة والعصابات والجماعات السلفية .


في هذا السياق اشترك حزب الله اللبناني علناً في القتال داخل سوريا، وبخاصة في معركة القصير، ما أدى إلى إصابة الحياد اللبناني بالضربة القاضية، ومع ذلك ما برحت الحكومة اللبنانية تدافع عن سياسة الحياد الموصوف قانوناً ب”المؤقت” تمييزاً له عن الحياد “التام” . فالأول يعتمد لفترة مؤقتة مرهونة بالنزاع المعني تنتهي بنهايته، في حين تعتبر الصيغة الأولى من الحياد أشمل وأوسع شأناً، وهي غالباً ما تكون حصيلة اتفاق أو معاهدة مع بلدان قوية عدة كما هي الحال مع سويسرا التي تعد إلى يومنا هذا البلد الأكثر حياداً في العالم .


ثمة من يعتقد أن الحياد اللبناني إزاء الأزمة السورية مازال ممكناً، باعتبار أن الدولة، بحسب قوانين الحياد المؤقت، ليست مسؤولة عن انخراط مواطنيها في النزاع السوري، خصوصاً أن هؤلاء اختاروا طوعاً الاشتراك في النزاع السوري . والواضح بحسب تعريف الموسوعة الدولية للحياد المؤقت، أن الحياد يسقط عندما تفتح الدولة المعنية مكاتب للمتطوعين داخل نطاق أراضيها، ولا تجند أو تدرب مواطنيها أو تمولهم من أجل القتال في دولة أخرى . ولم تبين أحداث العام الجاري أن الدولة اللبنانية أرسلت معدات قتالية إلى سوريا، كما أن قواتها لم تشترك قط في أي من المعارك، علماً أنها تجنبت الرد على الجيش السوري عندما اخترق الحدود لملاحقة مسلحين سوريين اجتازوا الحدود إلى لبنان . كل ذلك يوحي بأن الحياد اللبناني إزاء سوريا مازال قائماً، علماً أن الدولة اللبنانية التي أعلنت الحياد يحق لها وحدها إلغاؤه وهي لم تفعل بعد، ولا يبدو أنها ستفعل في القريب العاجل، ذلك أن إلغاء الحياد يعني إلغاء إعلان بعبدا الذي يتمسك به رئيس الجمهورية بوصفه أحد أهم إنجازات عهده .


وتبقى الإجابة عن السؤال الأخير بشأن قدرة لبنان على توفير شروط الحياد وليس إعلانه فحسب، ومن بين الشروط الضامنة توافر دولة مهابة وجيش قوي جدير بردع الآخرين عن التدخل في شؤون البلاد، وحماية حدودها من الاختراق الخارجي، فضلاً عن استعداد الأطراف الإقليمية والدولية للاعتراف بالحياد الذي أعلنته الدولة اللبنانية .


في لبنان يصعب الحديث عن دولة مهابة تفرض قراراتها على جميع المعنيين داخل حدودها، فضلاً عن أنها تسعى غالباً إلى التوافق على قرارتها مع ما يتطلبه من وقت ومداولات تحرم الدولة من هامش المناورة، ومن فرض إرادتها في الداخل والخارج، الأمر الذي لا يتناسب مع حال الدولة اللبنانية، فالطيران الحربي “الإسرائيلي” يخرق سيادتها على مدار اليوم، فيما الحدود مع سوريا تكاد تكون مفتوحة للعابر من وإلى خارج الحدود .


أما الجيش اللبناني فهو يحتاج إلى عديد ومعدات، وإلى توافق قبل القيام بعمليات عسكرية، ورغم ذلك تمكن من تحقيق إنجازات مهمة في الدفاع عن اللبنانيين، ولكنها غير كافية في أن تكون للجيش اللبناني كلمته الأخيرة في الدفاع عن سياسة الحياد المعلنة للدولة اللبنانية .


وتبقى نقطة الضعف الأكبر كامنة في مواقف ونوايا الأطراف الدولية والإقليمية تجاه لبنان، ففي حين حصلت سويسرا في أواخر القرن الثامن عشر على معاهدة موقعة من فرنسا وبروسيا والنمسا وبريطانيا والبرتغال وروسيا والسويد، وهي القوى الأهم في أوروبا، في ذلك الحين، تبارك كلها حق سويسرا بالحياد، وتؤكد التزامها الحياد وحمايته من كل انتهاك . وبالقياس إلى سويسرا لا تعترف الولايات المتحدة وحلفاؤها بالحياد اللبناني، لأنها تريده منصة لتنفيذ سياساتها، ولا تعترف الأطراف الإقليمية الفاعلة به أيضاً، وهي تعبر يومياً عن ذلك بطرق مختلفة .


يفضي ما تقدم إلى القول إن الحياد الذي ينشده لبنان منذ زمن بعيد حيال سوريا أو حيال الصراع العربي “الإسرائيلي”، هو أشبه بالحلم المستحيل، لأن الحياد يبنى أولاً وأخيراً على القوة الذاتية، وعلى القدرة الذاتية في حماية البلاد، فإذا أراد اللبنانيون حياداً على الطريقة السويسرية، ربما توجب عليهم بناء جيش ومصادر قوة شبيهة بالقوة السويسرية، وبخاصة طي صفحة “قوة لبنان في ضعفه”، فالضعف لا يضمن حدوداً ولا حياداً ولا ما يحزنون .

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.