وضوح طهران وتقية العواصم العربية

جاسر عبدالله الحربش

نشر في: آخر تحديث:

هل نحن على شفير حرب مذهبية إقليمية؟. العاقل لا يتمنى الحرب خصوصا مع جيرانه، وكذلك الدول والأمم العاقلة. فشل أهل المنطقة الأصليين في التفاهم على الأمن المشترك يفتح أبواب التدخل والعبث للآتين من خارج المنطقة. هكذا هو التاريخ دائما، مع سكان الأمريكتين تجاه الغزاة الأسبان والإنجليز ومع سكان الهند الصينية تجاه القوى الغربية واليابان، وهذا هو حال العرب والفرس والكرد والترك مع نفس القوى الأجنبية التي استغلت حماقاتهم لمصالحها وتأمين مستقبل أجيالها.

العداء المزمن بين الفرس والعرب والكرد والترك في منطقة ما يسمى بالشرق الأوسط هو ما أنهك أهل المنطقة ورماهم في أحضان الغرباء عنهم. للأسف لا تبدو لهذه الحماقات العرقية (وهي كذلك بالأساس قبل أن تكون دينية) أية نهاية، بل هي في حالة انبعاث وتأجيج لا تنتهي، وربما تحول ما نشهده حاليا إلى أكثرها أهوالا وأفدحها خسائر.

عمق المشكلة يتضح في ادعاء الأخوة في العلن وممارسة التقية الكيدية في الخفاء. ممارسات التقية السياسية لا تختلف كثيرا، بل هي أم التقية المذهبية. أكثر ما يكون ذلك وضوحا يتعلق بعلاقات العواصم العربية وطهران. التقية المذهبية عند الفرس أكثر عمقا وتنظيما وأشد مراسا منها عند العرب. أما بخصوص التقية السياسية فإن طهران (التي هي في الواقع الفعلي العاصمة الحاضنة للمذهب الشيعي)، لم تمارس منها مع العرب سوى الإذن لمن يواليها منهم بالاستمرار في ادعاء عروبتهم. ماعدا ذلك لم تترك طهران شيئا من طموحاتها الامبراطورية لم تفصح عنه.

من المعروف على الأقل لمن عاصروا الأحداث منذ فترة المد القومي العربي في الستينيات (حين كانت إيران امبراطورية شاهنشاهية) أن طموح إيران الجيوسياسي كان واضحا باستمرار ولم يكن متلبسا ثوب التقية.

العواصم التي مارست التقية السياسية طيلة العقود التي مضت، مع بعضها البعض أكثر منها مع طهران، كانت العواصم العربية. الساسة العرب هم الذين اختلقوا لأنفسهم جامعة الدول العربية كواجهة لممارسة التقية السياسية، يقولون في داخلها أشياء جميلة ويمارسون خارجها المكائد لبعضهم البعض. حين كان شاه إيران صديقا واضحا لإسرائيل، يمدها بالنفط ويكسر محاولات المقاطعة العربية ويجاهر بعداوته لطموحات العرب، كانت العواصم العربية تلعب لعبة مزدوجة. في العلن كان الاستنكار، وفي الخفاء غض النظر والتطبيع. الذي احتل الجزر الثلاث في الخليج العربي وعين نائبا يمثل البحرين في البرلمان الإيراني كان شاه إيران، ثم استلمت حكومة الملالي العهدة واستمرت في البناء على ما بدأه الشاه مع محاولة توسيعه.

حين كسر حافظ الأسد الإجماع أو شبه الإجماع العربي في حرب الخليج الأولى وانحاز بخيانة واضحة إلى طهران ضد بغداد، استمرت العواصم العربية في ممارسة التقية السياسية مع دمشق. الحاكم العربي الذي كانت العواصم العربية تريد منه تأمين البوابة الشرقية بالنيابة، والذي كان زميل الحكام العرب في الحكم وممارسة التقية، شنقه الفرس في بغداد يوم عيد الأضحى السني، نكاية وتشفيا، ليس بالمذهب السني فقط وإنما بالعرب كقومية وجغرافيا وحضارة. كل العواصم العربية صمتت يوم عيد الأضحى ذلك. ربما لأنها كانت تتوجس من بغداد العربية أكثر من توجسها من طهران الفارسية. اليوم نحصد النتائج المرة كشعوب ودول وأنظمة.

قبل أسابيع قليلة وزع على وسائل التواصل الالكترونية شريط قديم عن حسن نصر الله يوم كان كادرا صغيرا في منظومة الطموحات الإيرانية. في ذلك الشريط أعلن حسن نصر الله الصغير بكل وضوح أن التنظيمات الحزبية الشيعية في العالم العربي على اختلاف مرجعياتها المذهبية، لها مرجعية واحدة هي قم، وتخدم هدفا واحدا هو قيام الامبراطورية الشيعية الكبرى وعاصمتها طهران.

التعاون الإيراني الغربي والتنسيق بين الحاكم الأمريكي في بغداد مع موالي طهران من السياسيين العرب الشيعة وبعض العملاء السنة ومع المرجعية المذهبية في النجف أسقطت الدولة العراقية من الحسابات العربية الإقليمية. صمتت العواصم العربية أمام الوضوح المكشوف في الإجهاز على أول دولة عربية دخلها الإسلام بعد الجزيرة العربية، واستمرت في ممارسة التقية السياسية.

قبل عشر سنوات سقطت عاصمة الخلافة العباسية من التاريخ العربي، واليوم تحصل أحداث جسام لتكرار المأساة في دمشق عاصمة الخلافة الأموية.

ضجيج الأسئلة لا يهدأ في الأدمغة العربية التي تتوجس من حدوث ما يسمى ظاهرة الدومينو في كل العواصم العربية ، وهذه بعض الأسئلة:

أولا: لماذا صمتت العواصم العربية السنية على خيانة حافظ الأسد في حرب الخليج الأولى؟.

ثانيا: أين كان شريط نصر الله القديم عن أجهزة الاستخبارات العريقة في التنصت، ولماذا لم يظهر مبكرا قبل أن يتلاعب حزب الله بعواطف الجماهير العربية؟.

ثالثا: العرب السنة وكذلك العرب الشيعة الذين لا يوالون الفرس (و هم بالتأكيد موجودون وصامتون) لماذا تتركهم العواصم العربية يواجهون مصيرهم البائس في العراق وسوريا ولا تتحلى بشجاعة طهران في وضوح الاصطفاف مع مواليها العابثين في عمق الأراضي العربية؟.

رابعا: تجاوزا وتفهما لصعوبة التدخل العلني المباشر، لماذا لا يتم إيصال الإمدادات النوعية الفعالة إلى السوريين المدافعين عن المستقبل العربي أمام الهجمة الفارسية القومية المتدثرة برداء المذهب؟.

هناك في سوريا ما يكفي من المستعدين للقتال، لكن من يملكون السلاح والمال يكتفون بالصراخ والدعاء لهم بالنصر من بعيد؟

*نقلا عن "الجزيرة" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.